هناك لحظات لا تحتاج إلى كثير من الشرح. يكفي أن يدخل لاعب من مقاعد البدلاء، في مباراة فاصلة، تحت ضغط الصعود إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، ثم يغيّر كل شيء. هذا ما فعله بشير بلومي مع هال سيتي أمام ميلوول. هدف وتمريرة حاسمة في إياب نصف نهائي الملحق، وفوز 2-0، وبطاقة إلى نهائي ويمبلي، حيث أصبح فريقه على بعد مباراة واحدة من العودة إلى البريميرليغ. بالنسبة للاعب ظلّت الإصابات تطارده، جاءت هذه الليلة كأنها إعلان عودة، وكأنها رسالة لا يمكن لفلاديمير بيتكوفيتش تجاهلها.
اسم ثقيل… ومسار خاص
يحمل بشير بلومي اسماً لا يمر مروراً عادياً في الجزائر. هو نجل لخضر بلومي، أحد أعظم من أنجبتهم الكرة الجزائرية، وصاحب الكرة الذهبية الإفريقية، لكن اختزال الابن في اسم والده ظلم لهما معاً. عمر بلعطوي، أول مدرب له في مولودية وهران، يرفض هذه المقارنة السهلة. يقول في تصريح خاص لـAfrica Foot: “لا نتحدث عن لخضر، بل عن بشير. الجميع يقارن بينهما، لكن بشير لاعب شاب يملك الكثير من الجودة. يجب أن نترك والده جانباً ونتحدث عنه هو”.
Voir cette publication sur Instagram
هذا التفريق مهم. لخضر كان صانع ألعاب عبقرياً، لاعباً يقرأ المباراة بعين مختلفة. أما بشير فهو جناح، لاعب رواق، أعسر، مباشر، يعيش على السرعة، المهارة، التغيير المفاجئ للإيقاع، والقدرة على إيذاء المدافعين في المساحات. بلعطوي يوضح ذلك بصرامة: “ليسا من نفس الأسلوب. لخضر كان فريداً، صانع لعب وعبقرياً. بشير مهاجم طرف. عليه أن يتقدم ويطير بجناحيه”. في هذه الجملة تكمن الفكرة الأساسية: الإرث موجود، لكنه لا يجب أن يتحول إلى قيد.
من معسكر إلى وهران… ثم أوروبا
بدأت حكاية بلومي من غالي معسكر، كما بدأ والده من قبل. هناك لفت الأنظار مبكراً، قبل أن ينتقل إلى مولودية وهران، حيث عمل تحت قيادة بلعطوي في موسم 2020-2021. المدرب الجزائري يتذكره جيداً: “عرفته قبل أن أدربه. كنت في شباب تموشنت وهو في غالي معسكر. اكتشفت لاعباً يملك الكثير من الصفات. ثم جاء إلى المولودية، وكنت أول مدرب له هناك. أتذكر هدفه ضد بسكرة، كان هدفاً أسطورياً”.
لكن ما يلفت في شهادة بلعطوي ليس فقط الحديث عن الموهبة. هو يصف لاعباً منضبطاً، لا يتمرد على العمل، يقبل المنافسة، يحضر في الوقت، ويأخذ التدريبات بجدية. “إنسانياً، هو لاعب منضبط، يقبل المنافسة، لا يرفض العمل، جاد دائماً في التدريبات ودائماً في الموعد. لذلك لم يصل إلى هذا المستوى بالصدفة”، يقول بلعطوي. هذه التفاصيل تفسر كيف نجح شاب يحمل ضغطاً عائلياً كبيراً في بناء مساره بعيداً عن الضجيج.
Voir cette publication sur Instagram
جوزيه موتا والرجل الذي ولد في فارو
المرحلة البرتغالية كانت نقطة التحول الحقيقية. في فارينسي، لم يصل بلومي كنجم جاهز، بل كلاعب شاب يبحث عن فرصته. جوزيه موتا، مدربه السابق هناك، يروي لـAfrica Foot كيف اكتشفه: “كان بشير فتى يلعب في الفريق الرديف لفارينسي. ذهبت لمشاهدة الفريق، ولاحظت لاعباً بتقنية جيدة، سريعاً لكنه نحيف. بدأ العمل معي في الفريق الأول، وكان تطوره مذهلاً على كل المستويات: بدنياً، تقنياً، تكتيكياً وذهنياً”.
في بضعة أشهر، أصبح أساسياً في الدوري البرتغالي، وجذب أنظار أندية كبيرة داخل البرتغال وخارجها. موتا لا يتحدث عنه كلاعب موهوب فقط، بل كشخصية. يقول: “موهبة كبيرة، متواضع، عامل، مسؤول وسخي. سينجح في فرض نفسه في الكرة الإنجليزية”. ثم يضيف عبارة تحمل الكثير من العاطفة: “أحب شخصية بشير كثيراً. الثقة التي يملكها في نفسه استثنائية. لا نزال نملك صداقة جيدة. ساعدت الفتى ليصبح رجلاً. حتى اليوم، يناديني: أبي في كرة القدم”.
الإصابات التي عطّلت الموعد
لم يكن طريقه في إنجلترا سهلاً. انتقاله إلى هال سيتي صيف 2024 كان يفترض أن يفتح له باباً كبيراً، لكنه اصطدم بإصابة قوية في الرباط الصليبي في نوفمبر من ذلك العام، أبعدته حتى نهاية الموسم، قبل أن يعود تدريجياً في موسم 2025-2026. هذه الإصابات أخّرت لحظته الدولية أيضاً. رغم استدعائه مرة من طرف بيتكوفيتش في مارس 2024، لم يخض حتى الآن أي مباراة مع المنتخب الجزائري الأول.
وهنا تحديداً يصبح ما فعله ضد ميلوول أكثر من مجرد لقطة. عودته في مباراة بهذا الحجم، وتأثيره المباشر بهدف جميل في الدقيقة 64 ثم تمريرة حاسمة لجوي غيلهاردت في الدقيقة 79، يؤكدان أن اللاعب بدأ يستعيد نسقه في الوقت المناسب. الصحافة الإنجليزية أشادت بتأثيره، وهال بات أول فريق يحتل المركز السادس ويبلغ نهائي الملحق منذ ديربي كاونتي عام 2019. النهائي سيُقام في ويمبلي يوم 23 مايو، في مباراة تُعرف تقليدياً بأنها الأغلى في كرة القدم.
هل حان وقت المنتخب؟
السؤال الآن بسيط: هل يملك بلومي ما يكفي ليكون ضمن قائمة الجزائر لكأس العالم؟ المنافسة على الرواق الأيمن ليست سهلة. هناك رياض محرز، القائد والمرجع. هناك أنيس حاج موسى، الذي فرض نفسه أيضاً في الأشهر الأخيرة. لكن بلومي لا يشبههما تماماً. يمكنه اللعب على الطرف، الدخول إلى العمق، منح حلول في الانتقال السريع، والضغط على الدفاعات المرهقة. في بطولة مثل كأس العالم، هذه التفاصيل لا تكون ثانوية.
بلعطوي يرى أنه جاهز للدخول في الحسابات: “يمكنه الالتحاق بالمنتخب من الآن. يجب أن يكون مستعداً معنوياً وبدنياً. لا نعرف أبداً، إذا حدث أي نقص، يجب أن يحضر نفسه. أظن أنه موجود في القائمة الموسعة للمدرب، وأتمنى أن يحصل على فرصته”. الكلام ليس مجاملة عابرة، بل قراءة مدرب يعرف اللاعب منذ بداياته، ويعرف أن الموهبة وحدها لا تكفي إذا لم يرافقها العمل.
Is Belloumi Algeria’s FUTURE STAR? 🇩🇿
Hull City’s Mohamed Belloumi is the son of Lakhdar, widely considered as the greatest Algerian footballer of all time. 🤩
Mohamed has just scored to send Hull City to Wembley in the Championship playoffs. 👀 pic.twitter.com/QXwNaYPGxN
— Sleeper Football (@SleeperFooty) May 12, 2026
مرافعة بلا مبالغة
ليس المطلوب تحويل بشير بلومي إلى منقذ، ولا تحميله إرث والده، ولا دفعه تحت أضواء مبالغ فيها. المطلوب فقط ألا يمر ما يفعله بلا انتباه. لاعب جزائري يبرق في بطولة إنجليزية صعبة، بعد إصابات ثقيلة، ويقود فريقه إلى ويمبلي، يستحق على الأقل أن يكون جزءاً من التفكير الجاد قبل المونديال. خاصة أن الكرة الجزائرية كثيراً ما بحثت عن أجنحة تملك الجرأة والخيال والقدرة على كسر الإيقاع.
جوزيه موتا يذهب أبعد من ذلك حين يقول: “أنا متأكد أنه سيصبح أساسياً في منتخب الجزائر قريباً. المسألة مسألة وقت فقط. إنه لاعب سيغزو العالم”. قد تبدو العبارة كبيرة، لكن مسار بلومي حتى الآن يقول إن في داخله شيئاً خاصاً. من معسكر إلى وهران، من فارو إلى هال، ومن إصابة موجعة إلى ليلة ويمبلي، بدأ بشير يكتب حكايته الخاصة. والآن، على بيتكوفيتش أن ينظر جيداً. لأن بعض اللاعبين لا يطلبون الفرصة بالكلام، بل ينتزعونها في المباريات التي لا تُنسى.





