لم يكن المنتخب التونسي بحاجة إلى هذا النوع من الليالي قبل كأس العالم. في آخر مباراة تحضيرية له، سقط أمام بلجيكا بخماسية نظيفة، في لقاء كشف حجم الفوارق بين منتخب يبحث عن ملامحه وآخر بدا أكثر استقراراً ووضوحاً. كل ما حاول صبري لموشي بناؤه في الأسابيع الماضية اهتز دفعة واحدة، ليس فقط بسبب النتيجة، بل بسبب العقم الهجومي، غياب الانضباط، وصعوبة قراءة هوية الفريق. المدرب تحمّل المسؤولية بعد اللقاء، واعترف بأن اختياراته لم تكن موفقة، لكن ذلك لا يقلل من حجم القلق قبل مجموعة صعبة تضم السويد وهولندا واليابان.
تونس بلا أنياب هجومية واضحة
الدرس الأول أن تونس بدت عاجزة تقريباً عن تهديد مرمى بلجيكا. طوال المباراة، لم تصنع سوى فرصة حقيقية واحدة تقريباً، عندما سدد خليل العياري كرة ارتطمت بالقائم في الدقيقة 58، بعد محاولة مؤطرة من بلهج. خارج ذلك، لم يظهر نسور قرطاج بأي شكل مقنع في الثلث الأخير. هازم مستوري، الذي بدأ في مركز رأس الحربة، كان غائباً عن التأثير، ولم يمنح الفريق نقطة ارتكاز أو عمقاً هجومياً. المشكلة لا تتعلق بلاعب واحد فقط، بل بصورة عامة لخط أمامي لا تزال معالمه غير واضحة. قبل كأس العالم، لا توجد حتى الآن تركيبة هجومية تمنح الاطمئنان أو توحي بأن الحلول جاهزة.
خمسة دروس من خسارة تونس أمام النمسا
اختيارات لموشي تزيد الغموض
الدرس الثاني يتعلق بصبري لموشي نفسه. المنتخب الذي بدأ المباراة بدا تجريبياً أكثر من اللازم، مع نقص واضح في الخبرة وغياب حنبعل المجبري، أحد اللاعبين القادرين عادة على منح الفريق شيئاً من الشخصية في الوسط. المدرب حاول توزيع الدقائق واختبار أكثر من خيار، لكن النتيجة جاءت قاسية، والأداء لم يساعده على الدفاع عن اختياراته. بعد المباراة، قال لموشي إنه يتحمّل المسؤولية كاملة، واعترف بأن قراراته لم تكن ناجحة. هذه الصراحة مهمة، لكنها لا تخفي أن الوقت أصبح ضيقاً جداً. قبل المونديال، لا تزال تونس بلا فريق واضح، وبلا أفكار ثابتة يشعر اللاعبون بأنها استقرت داخل المجموعة.
الانضباط يتحول إلى مشكلة حقيقية
الدرس الثالث أن تونس لم تخسر فنياً فقط، بل خسرت أيضاً جزءاً من توازنها الذهني. العدوانية الزائدة ظهرت في أكثر من لقطة، وكان طرد إسماعيل الغربي في مباراة ودية خير مثال على ذلك. الحصول على بطاقتين صفراوين في هذا النوع من المباريات يعكس نقصاً في ضبط النفس، لا مجرد حماس زائد. أمام منتخبات مثل السويد وهولندا واليابان، هذا النوع من الأخطاء قد يكون قاتلاً. المشكلة لا تقف عند البطاقة الحمراء، بل تشمل التركيز في التفاصيل الصغيرة، مراقبة التحولات، والقدرة على البقاء في المباراة عندما تبدأ الأمور في التفلت. تونس لا تستطيع دخول كأس العالم بهذا القدر من التوتر.
منتخب #تونس يخسر ودية دولية بخمسة أهداف نظيفة أمام بلجيكا وسط صافرات استهجان من الجمهور اعتراضاً على مستوى اللاعبين pic.twitter.com/aEcWvdvHlc
— هاشتاق العرب (@TheArabHash) June 6, 2026
بلجيكا كشفت الفوارق بلا رحمة
الدرس الرابع أن بلجيكا لم تحتج إلى مباراة مثالية لتكشف حدود تونس. رودي غارسيا أجرى أول تغيير في الدقيقة 65 تقريباً، في إشارة إلى رغبته في منح تشكيلته الأساسية وقتاً أطول لاكتساب الانسجام. كيفن دي بروين كان في قلب اللعب، حاول التسديد، سجل، ووزع الكرات بثقة. أما جيريمي دكو فكان مصدر الإزعاج الأكبر، خصوصاً بانطلاقاته على الجهة اليسرى، حيث صنع الفارق في الهدف الأول، ثم قدّم تمريرة حاسمة لدي بروين في الثالث. حتى البدلاء دخلوا بفعالية، إذ ساهم روميلو لوكاكو في الهدف الرابع، ثم أضاف نيكولا راسكين الخامس في الوقت بدل الضائع. الفارق كان واضحاً في السرعة، الدقة، والشخصية.
رابح ماجر يقيّم حظوظ إفريقيا في مونديال 2026
هزيمة تهز الثقة قبل الامتحان الأكبر
الدرس الخامس أن هذه الخماسية جاءت في أسوأ توقيت ممكن. تونس لم تخسر بخمسة أهداف منذ مونديال 2018، والمفارقة أن ذلك كان أيضاً أمام بلجيكا، حين انتهت المباراة 5-2. هذه المرة، لم يكن هناك حتى رد هجومي يحفظ شيئاً من التوازن. صحيح أن الجماهير التونسية ستبقى حاضرة خلف منتخبها، مهما كان المكان، لكن صافرات الاستهجان بعد هذه الهزيمة مفهومة. لموشي قال إن هناك حاجة إلى رد سريع، وإن الخسارة قد تؤثر على الحالة الذهنية للمجموعة. أمام مجموعة قوية في كأس العالم، الحلم التونسي بعبور الدور الأول لأول مرة لا يزال قائماً حسابياً، لكنه بعد ليلة كهذه صار يحتاج إلى أكثر من مجرد أمل.





