لم يدخل ريان كولي القائمة النهائية للمنتخب الجزائري في كأس العالم، لكن وجوده ضمن اللائحة الموسعة التي ضمت 55 لاعباً لم يكن تفصيلاً عابراً. بالنسبة إلى مهاجم شاب يلعب في كوينز بارك رينجرز، ويشق طريقه في دوري صعب هو التشامبيونشيب، فإن هذا المؤشر كافٍ ليدلّ أن اسمه بات معروفاً داخل حسابات الاتحاد الجزائري وفلاديمير بيتكوفيتش. اليوم، يجد كولي نفسه مع منتخب الآمال بقيادة رفيق صايفي، خلال تربص عنابة، قبل وديتي موريتانيا يومي 5 و9 يونيو، في محطة قد تكون بداية طريق أطول.
ريان كولي… من صنع أكاديمية كوينز بارك رينجرز
جوليان ستيفان، مدربه في كوينز بارك رينجرز، يعرف اللاعب من الداخل. وفي حديث حصري مع Africa Foot، يقدمه أولاً بوصفه من صنع النادي، لا مجرد موهبة عابرة: “هو لاعب تكوّن في الأكاديمية، ويلعب في النادي منذ ثماني أو تسع سنوات. إنه أحد أبناء أكاديميتنا”. هذه العبارة مهمة، لأنها تشرح جذور العلاقة بين اللاعب ومحيطه، وتكشف لماذا ينظر إليه QPR باعتباره مشروعاً صنعه بصبر، لا صفقة جاهزة من الخارج.
على المستوى الفني، لا يمجّد ستيفان، لكنه لا يخفي حجم الإمكانات. يقول عن كولي: “يملك إمكانات تقنية وبدنية جيدة جداً. هو قوي، سريع إلى حد ما، يتمتع بتقنية جيدة وجودة في التسديد”. ثم يضيف نقطة لافتة: “هو لاعب متعدد المراكز، يستطيع اللعب على الأطراف أو في العمق، لكنني أفضله شخصياً في المحور”. هنا تظهر ملامح المهاجم الحديث: لاعب لا يعيش فقط داخل منطقة الجزاء، بل يتحرك، يفتح زوايا، ويمنح المدرب أكثر من خيار.
الموهبة موجودة… والانتظام هو التحدي
لكن المدرب الفرنسي يضع الإصبع سريعاً على ما يحتاجه كولي في المرحلة المقبلة. فالموهبة وحدها لا تكفي، خصوصاً في بطولة بدنية ومكثفة مثل التشامبيونشيب. يقول ستيفان: “هو لاعب شاب قادر على تقديم لقطات قوية، لكن عليه الآن أن يكتسب مزيداً من الانتظام، وأن يكون أكثر ثباتاً في مستواه وحضوره داخل الملعب”. بعبارة أخرى، كولي يملك الشرارة، لكنه يحتاج إلى تحويلها إلى أداء متواصل.
وحين سُئل إن كان مجال التطور لديه يتعلق أساساً بالاستمرارية، جاء الجواب مباشراً: “نعم، أن يكون أكثر انتظاماً. هذه إمكانات كبيرة للتطور بالنسبة إليه. يملك الإمكانات للقيام بمسيرة جيدة، وعليه أن يعمل على ذلك”. في هذه الكلمات، ليس هناك إدانة قاسية، بل خريطة طريق. اللاعب الذي يريد الانتقال من خانة الوعد إلى خانة الجاهز يجب أن يظهر كل أسبوع، لا في لحظة ثم يغيب في التي تليها.
التشامبيونشيب لا تقدّم تنازلات
تأقلم كولي مع التشامبيونشيب لم يفاجئ ستيفان. المدرب يذكّر بأنه لم يظهر فجأة في الفريق الأول، إذ سبق له أن خاض مباريات في الموسم الماضي، بل بدأ الظهور مع المجموعة قبل ذلك أيضاً. كما أن طريقة لعب QPR بمهاجمين ساعدته على تقاسم الأدوار، بدل أن يتحمل وحده عبء الخط الأمامي. يقول ستيفان: “لا توجد مفاجأة، لأننا نرى الإمكانات. لكنه يحتاج إلى العمل أكثر حتى يستحق خوض مزيد من المباريات”.
هذه الجملة تصلح أيضاً للمنتخب الجزائري. كولي لا يحتاج إلى استعجال القفزة، بقدر ما يحتاج إلى تثبيت خطواته. في الجزائر، هناك شغف دائم باكتشاف وجوه جديدة، خصوصاً في الخط الأمامي. لكن الطريق إلى المنتخب الأول لا يُفتح فقط بالموهبة أو الانتماء. يحتاج اللاعب إلى مباريات، أرقام، نضج، وقدرة على تحمل الضغط.
فخر لـQPR ورسالة للاعب
استدعاؤه ضمن القائمة الموسعة للمنتخب الأول كان خبراً سعيداً في لندن أيضاً. ستيفان يقول بوضوح: “بالطبع، هذا فخر للنادي ولكل مربي مركز تكوين QPR الذين رافقوه ومنحوه الثقة”. ثم يربط ذلك بمسار اللاعب نفسه: “إنها قبل كل شيء مكافأة لاستثماره، عمله وصفاته”. بالنسبة إلى النادي، وصول لاعب من الأكاديمية إلى رادار منتخب يشارك في كأس العالم يمثل شهادة نجاح لمنظومة كاملة.
لكن ستيفان يعرف طموح لاعبه، ولا يعتقد أن محطة الآمال ستكون سقفه النهائي. يقول: “بمعرفتي له وبمعرفتي لطموحاته، من الجيد أن يمر بمرحلة مع منتخب الجزائر لأقل من 23 عاماً. لكنني أعرفه، سيريد الذهاب إلى أبعد من ذلك. عليه أن يمنح نفسه الوسائل يومياً”. الرسالة واضحة: الموهبة فتحت الباب، أما البقاء في الصورة فيحتاج إلى عمل لا يتوقف.
السن ليس عائقاً.. الجاهزية هي المعيار
عدم دخوله القائمة النهائية للمونديال قد يكون، في الظاهر، خيبة صغيرة. لكن ستيفان يرفض منطق السن كحجة جاهزة. يقول: “لا أعتقد أن هناك عمراً محدداً اليوم. الشباب لا يجب أن نحدثهم عن العمر. عندما يكونون جاهزين، فهم جاهزون ويلعبون”. ثم يضيف: “وإذا كان ينقصهم شيء ولم يتم اختيارهم، فعليهم أن يفهموا السبب، وأن يواصلوا العمل بقوة أكبر لتحقيق الهدف”.
هنا تكمن خلاصة ملف ريان كولي. وجوده في اللائحة الموسعة يعني أن الجزائر تراه. وغيابه عن القائمة النهائية يعني أن الطريق لم يكتمل بعد. بين الأمرين، هناك مساحة كبيرة للعمل، الانضباط، الصرامة اليومية، وتثبيت المستوى. ومع آمال الجزائر، قد يجد كولي المرحلة المناسبة كي يتعلم أن الموهبة تلفت الأنظار، لكن الانتظام وحده يفتح أبواب المنتخب الأول.





