هناك تصريحات تُقال بهدوء، لكنها تترك أثراً أكبر من أي صرخة. عبد الحفيظ تاسفاوت، ثاني أفضل هداف في تاريخ المنتخب الجزائري وأحد أبرز وجوه التسعينيات، لم يهاجم أحداً مباشرة، ولم يطلب تكريماً صريحاً. لكنه قال ما يكفي ليكشف عن جرح عميق، وعن علاقة باردة بين لاعب كبير وكرة قدم منحها الكثير.
تاسفاوت وجرح الاعتراف
في حديثه الأخير عبر قناة جزائرية، قال تاسفاوت بمرارة واضحة: “كرة القدم لا تهمني، العمل في الأندية؟ لا”. ثم أوضح السبب بطريقته المباشرة: “هكذا أتجنب أن يشتمني الناس في الشارع، لأن الشارع هو الذي يتحكم في كل شيء، وهذا لا يخدم كرة القدم الجزائرية”. كلمات قاسية، لكنها تعكس خيبة رجل يرى أن المناخ لم يعد مناسباً لمنح خبرته بهدوء.
الأكثر إيلاماً كان حديثه عن ألعاب البحر الأبيض المتوسط في وهران سنة 2022. قال إن الملعب الذي احتضن النهائي كان قريباً جداً من بيته، لكنه لم يتلق أي دعوة، بينما شاهد “أشخاصاً أجانب يملكون شارات دخول لكل الأماكن”. وأضاف أنه اضطر إلى شراء التذاكر كي يصطحب ابنه لمشاهدة النهائي. هذه ليست مجرد حكاية تنظيمية، بل صورة تختصر شعور لاعب سابق بأنه صار غريباً في مدينة يعرفها جيداً.
ذاكرة تستحق الاحترام
لا يتعلق الأمر بالقول إن كل رموز الكرة الجزائرية يعانون المصير نفسه. بعض الأسماء، مثل موسى صايب، تحضر في مناسبات عديدة وتحظى بتقدير واضح. وربما يكون تاسفاوت نفسه قد اختار الابتعاد، أو رفض الدخول في أدوار لا تناسبه. لكنه، في المقابل، ليس اسماً عادياً يمكن أن يختفي من المشهد بهذه السهولة.
تاسفاوت أعطى الكثير للمنتخب. وكان آخر مشهد له مع الجزائر مؤلماً وقاسياً، عندما تعرض لإصابة خطيرة في الرأس خلال كأس إفريقيا 2002، في مباراة كادت تكلفه حياته. رجل اقترب من دفع الثمن الأكبر بقميص بلده يستحق، على الأقل، أن يبقى حاضراً في الذاكرة الوطنية.
اليوم يقول إنه يعيش هادئاً وسعيداً، وإن مسيرته أصبحت خلفه: “أنا راضٍ عما فعلت، بحلوه ومره. كرة القدم كانت مهنتي وأنا متقاعد”. هذا حقه الكامل. لكن كرة القدم الجزائرية، إذا أرادت أن تبني مستقبلاً صحياً، يجب ألا تنسى من خدموها. لا من باب الحنين، بل من باب الوفاء.





