عاد لخضر بلومي إلى الواجهة من بوابة الذاكرة لا من بوابة الحاضر. أسطورة الكرة الجزائرية، وأحد أجمل ما أنجبته الملاعب الوطنية، تحدث في مقابلة مع الهداف عن محطتين لا تزالان تؤلمانه: مونديال 1986، ثم غيابه عن كأس إفريقيا 1990. وبين القصتين خيط واحد: شعور قديم بأن شيئاً ما سُلب منه، أو من جيل كان يعتقد أنه قادر على الذهاب أبعد.
بلومي ومونديال 1986… جرح لم يندمل
في حديثه عن كأس العالم 1986 بالمكسيك، لم يخف بلومي مرارته من الطريقة التي أُديرت بها القائمة النهائية. يرى أن الجزائر كانت تملك ما يكفي لعبور الدور الأول، لكن ما حدث قبل الوصول إلى المكسيك أربك المجموعة. وقال إن لاعبين انضموا “في آخر لحظة”، من دون أن يشاركوا في التصفيات أو المباريات الودية، بل تم تجهيز جوازاتهم سريعاً وإلحاقهم بالطائرة المتجهة إلى المونديال.
بلومي يعتبر أن تلك القرارات ضربت توازن المنتخب في لحظة حساسة. في روايته، لم يكن الخلل فنياً فقط، بل إدارياً أيضاً، بعدما تدخل مسؤولون في عمل الطاقم الفني. الأسماء التي غادرت الصورة في تلك الفترة، مثل سرباح ومرزقان وبن شيخ ويحيى وبويش، كانت قد عاشت طريق التصفيات، قبل أن تدخل أسماء أخرى في اللحظة الأخيرة. لذلك يقول بلومي، بعد كل هذه السنوات، إن الجزائر “كانت تملك الإمكانات” للتأهل، لولا تلك الاضطرابات.
كأس إفريقيا 1990… رواية المؤامرة
الملف الأكثر حساسية يبقى غيابه عن كأس إفريقيا 1990، البطولة التي توجت بها الجزائر على أرضها. بلومي لا يخفي أن اللقب أسعده كجزائري، لكنه يعترف بأن عدم المشاركة آلمه كثيراً. قال بوضوح: “فرحنا عندما فازوا بكأس إفريقيا 1990، لكن ذلك آلمني”. ثم ذهب أبعد من ذلك حين أضاف: “لن أسامحهم، حتى لو التقينا أمام الله. لن أكشف كل شيء، وسنترك الأمر غامضاً”.
هذه روايته، ويجب التعامل معها كما هي: شهادة لاعب كبير شعر بأنه أُبعد بطريقة غير عادلة. لكن قراءة تلك المرحلة لا تكتمل من دون التذكير بأن عبد الحميد كرمالي اختار آنذاك مجموعة قادته إلى اللقب، وأن أسماء مثل أمّاني قدمت بطولة قوية وسجلت أهدافاً مهمة. بلومي كان في الثانية والثلاثين، وخارجاً من أشهر صعبة بعد أحداث القاهرة في نوفمبر 1989، وربما رأى الجهاز الفني أن اللحظة لم تعد مناسبة لعودته.
يبقى أن كلامه يكشف شيئاً آخر: بعض الجروح لا تمحوها السنوات. بلومي قد يكون بالغ في تفسير ما حدث، وقد تكون ذاكرته محكومة بمرارة لاعب حُرم من بطولة كبرى على أرضه. لكن احترام الأسطورة يفرض الإصغاء إليه، حتى حين نختلف مع قراءته. وبعد 36 عاماً، تبدو الكرة الجزائرية مطالبة بالنظر إلى الأمام، نحو مونديال 2026، من دون أن تتجاهل أن تاريخها الكبير كُتب أيضاً بهذه القصص المعلقة، حيث تختلط الحقيقة بالخذلان، والذاكرة بما بقي عالقاً في القلب.





