انتهى الحضور العربي في كأس العالم 2026 بخروج المنتخب المغربي أمام فرنسا من الدور ربع النهائي، ليحين وقت تقييم حصيلة المنتخبات واللاعبين الذين تركوا بصمتهم في البطولة. وعاشت المنتخبات العربية المشاركة مسارات متباينة، إذ غادرت تونس من الدور الأول دون أن ينجح أحد لاعبيها في فرض نفسه بشكل واضح، رغم بعض اللمحات التي قدمها حنبعل المجبري. ولم تكن الحصيلة الجزائرية أفضل على المستوى الفردي، باستثناء ظهور واعد لإبراهيم مازة في بعض الفترات.
فوزي جمال يشرح أسباب سقوط المغرب أمام فرنسا
أما مصر والمغرب، فقد استحوذا على نصيب الأسد من قائمة أبرز اللاعبين العرب. بلغ الفراعنة دور الـ16 قبل الخروج أمام الأرجنتين، بينما واصل أسود الأطلس مغامرتهم حتى ربع النهائي، قبل السقوط أمام فرنسا. ومن دون اعتماد ترتيب محدد، اختارت هيئة تحرير Africafoot خمسة لاعبين جمعوا بين التأثير الفردي، الثبات، الحضور في المباريات الكبرى وخدمة المجموعة طوال مشوار البطولة.
ياسين بونو.. حارس المواعيد الكبرى
أكد ياسين بونو خلال كأس العالم 2026 أنه ما زال أحد أفضل حراس المرمى في المباريات الكبرى. لم يكن تصديه لركلة جزاء كيليان مبابي أمام فرنسا في ربع النهائي سوى لقطة إضافية في بطولة قدم خلالها الحارس المغربي سلسلة من العروض المميزة، حتى وإن لم تكن تلك المباراة كافية لقيادة أسود الأطلس إلى نصف النهائي.
بونو كان أحد أهم أسباب البداية القوية للمغرب أمام البرازيل، بعدما تعامل بهدوء وخبرة مع محاولات المنتخب البرازيلي وحافظ على توازن فريقه في فترات الضغط. كما ظهر بشكل حاسم أمام كندا في دور الـ16، خصوصًا خلال الشوط الأول، عندما منع المنافس من استغلال فترته الأفضل وأبقى المغرب في المباراة.
وبفضل تمركزه الجيد، هدوئه في التعامل مع الكرات العالية وقدرته على الظهور في اللحظات الصعبة، لعب حارس الهلال دورًا محوريًا في وصول المغرب إلى ربع النهائي. وبعد أربع سنوات من تألقه اللافت في مونديال قطر 2022، برهن بونو أن ما قدمه وقتها لم يكن حدثًا استثنائيًا، بل انعكاسًا لمكانته الحقيقية وخبرته الكبيرة.
محمد صلاح.. قائد وضع نفسه في خدمة مصر
ربما لم يظهر محمد صلاح بالفعالية التهديفية التي اعتاد عليها الجمهور، لكنه ظل اللاعب الأكثر تأثيرًا في الخط الأمامي للمنتخب المصري. أنهى قائد الفراعنة مشاركته مساهمًا في ثلاثة أهداف، بعدما سجل هدفين وصنع هدفًا، وكان من أبرز عناصر الفريق خلال رحلة الوصول إلى دور الـ16.
سجل صلاح في الانتصار على نيوزيلندا، لكنه لم يكتف بالأدوار الهجومية المباشرة. فقد تحرك باستمرار بين الخطوط، ساعد زملاءه الأصغر سنًا وقدم مجهودًا بدنيًا كبيرًا، سواء عند بناء الهجمات أو خلال الضغط على دفاعات المنافسين. كما أظهر شخصية القائد الذي يفضل نجاح المجموعة على البحث عن الأرقام الفردية.
وكان صلاح قريبًا من تقديم واحدة من أجمل لقطات البطولة أمام الأرجنتين، عندما اخترق الجهة اليمنى وتفوق على أكثر من مدافع قبل أن يمرر كرة حاسمة إلى زيكو. غير أن الهدف ألغي بداعي وجود مخالفة أثارت الكثير من الجدل. ورغم الخروج، غادر نجم ليفربول المونديال بعدما أكد أنه ما زال المرجع الأول لمنتخب مصر داخل الملعب وخارجه.
أيوب بوعدي.. موهبة مغربية سبقت عمرها
دخل أيوب بوعدي البطولة باعتباره أحد أصغر عناصر المنتخب المغربي، وخرج منها كواحد من أبرز اكتشافات كأس العالم 2026. في سن 18 عامًا فقط، لعب لاعب الوسط بثقة لافتة، وأظهر نضجًا تكتيكيًا وقدرة كبيرة على التحكم في إيقاع المباريات لا تتناسبان مع حداثة تجربته الدولية.
قدم بوعدي واحدة من أفضل مبارياته أمام البرازيل في مستهل مشوار المغرب. لم يتأثر بقيمة المنافس أو بأسماء لاعبيه، بل فرض هدوءه في وسط الميدان، ونجح في الخروج بالكرة تحت الضغط وربط الخطوط. ومع استمرار البطولة، تحول إلى عنصر أساسي في حسابات محمد وهبي، حتى إنه تقدم في الترتيب على سفيان أمرابط في بعض المواعيد.
وأصبح بوعدي أصغر لاعب يخوض مباراة في ربع نهائي كأس العالم منذ الأسطورة البرازيلية بيليه، وهو رقم يعكس حجم الثقة التي حصل عليها. صحيح أن تأثيره تراجع قليلًا خلال الأدوار الأخيرة، لكن ذلك لا يقلل من قيمة ما قدمه طوال المسابقة. وبالنظر إلى سنه وإمكاناته، ليس غريبًا أن يتحول إلى هدف لعدد من أكبر الأندية الأوروبية.
مصطفى شوبير.. وريث العائلة يتألق أمام ميسي
كان مصطفى شوبير أحد أكبر مكاسب المنتخب المصري خلال كأس العالم. دخل الحارس البطولة بخبرة دولية محدودة، بعدما خاض مباراتين فقط في بطولات كبرى، لكنه تعامل مع المواعيد العالمية بثبات وثقة، ونجح في فرض نفسه كواحد من أفضل الحراس العرب في المسابقة.
بلغ شوبير ذروة تألقه أمام الأرجنتين في دور الـ16. قدم مباراة بطولية أمام أبطال العالم، وتصدى لركلة جزاء نفذها ليونيل ميسي، إلى جانب عدد من التدخلات الحاسمة التي منعت المنتخب الأرجنتيني من حسم المواجهة مبكرًا. وقد حافظ على تركيزه رغم الضغط المتواصل وكثرة الفرص التي صنعها المنافس.
ولم يقتصر تألقه على مواجهة الأرجنتين، إذ قدم تصديات مهمة خلال دور المجموعات وساهم في عبور مصر إلى الدور الثاني. ورغم أن مجهوده لم يُترجم إلى تأهل تاريخي، فإن شوبير خرج من البطولة برصيد كبير من الاحترام. كما نجح في السير على خطى والده أحمد شوبير، أحد أشهر حراس الكرة المصرية، دون أن يبقى أسيرًا للمقارنة معه.
إسماعيل صيباري.. غيابه كشف أهميته
يمكن قياس قيمة إسماعيل صيباري داخل المنتخب المغربي من خلال تأثير حضوره، وكذلك من خلال ما حدث بعد غيابه. فقد منح محمد وهبي لاعب الوسط الهجومي دور المهاجم الوهمي، رغم أن مركز رأس الحربة ليس مركزه الأصلي، إلا أن صيباري نجح في تنفيذ المهمة بمرونة وذكاء كبيرين.
سجل صيباري خلال المباريات الأولى من دور المجموعات، وأظهر فعالية واضحة أمام المرمى. كما ساعد الفريق على التقدم إلى الأمام بفضل تحركاته بين الخطوط، قدرته على الاحتفاظ بالكرة والربط بين لاعبي الوسط والجناحين. ولم يكن مجرد منفذ، بل تحول إلى امتداد للمدرب داخل الملعب، من خلال توجيه الضغط وتحديد لحظة رفع الكتلة المغربية.
لكن الإصابة التي تعرض لها أمام كندا أوقفت زخمه، وحرمت المغرب من أحد أكثر لاعبيه نشاطًا قبل مواجهة فرنسا. وبدا غيابه مؤثرًا على قدرة الفريق على الاحتفاظ بالكرة وتخفيف الضغط عن الدفاع. وبعد ظهوره المثير في كأس أمم أفريقيا، حيث ارتبط اسمه أيضًا بحادثة المنشفة الشهيرة، عاد صيباري هذه المرة ليفرض نفسه بفضل كرة القدم وحدها، مؤكدًا جاهزيته لخوض تحدٍ أكبر في مسيرته.
إشادات خاصة بلاعبين آخرين
لم تقتصر العروض العربية الجيدة على الأسماء الخمسة. فقد قدم عز الدين أوناحي بعض الفترات المميزة مع المغرب، وأظهر قدرته المعتادة على كسر الخطوط والتحرك بالكرة. كما يستحق إبراهيم مازة الإشادة بعدما كان من بين المواهب الجزائرية القليلة التي قدمت مؤشرات إيجابية رغم الخروج المبكر.
وفي المنتخب المصري، برز زيكو بنشاطه الهجومي وتحركاته المباشرة، بينما قدم رامي ربيعة بطولة قوية على المستوى الدفاعي، مستفيدًا من خبرته في التعامل مع المباريات الصعبة. وكان إمام عاشور حاضرًا أيضًا بفضل مجهوده في وسط الملعب وقدرته على مساعدة الفريق في الجانبين الدفاعي والهجومي.
أما على الجانب التونسي، فلم تكن النتائج أو العروض الفردية كافية لفرض أسماء عديدة ضمن الأفضل، لكن حنبعل المجبري قدم بعض اللمحات التي عكست شخصيته القوية وقدرته على رفع نسق اللعب. وفي النهاية، كانت الأفضلية واضحة للاعبي المغرب ومصر، بفضل وصول المنتخبين إلى الأدوار الإقصائية وقدرتهما على منافسة منتخبات تنتمي إلى أعلى مستوى عالمي.





