لم تكن قضية لؤي بن فرحات مجرد اسم غاب عن قائمة تونس لكأس العالم. خلال ساعات قليلة، تحولت إلى ملف وطني ساخن، بعدما أعلن صبري لموشي، خلال تقديم قائمة الـ26 لاعباً، أن اللاعب ووالده رفضا تلبية الدعوة في اللحظة الأخيرة. المدرب التونسي عبّر عن غضبه بوضوح، واعتبر الأمر “قلة احترام”، مؤكداً أن الملف أُغلق بالنسبة إليه. رد الفعل الجماهيري كان قاسياً في معظمه، بين من ساند لموشي في دفاعه عن القميص، ومن رأى أن القضية كان يجب أن تُدار بعيداً عن المنابر الإعلامية.
الجعايدي يدخل على خط الأزمة
في هذا السياق، اختار راضي الجعايدي، أحد رموز الكرة التونسية وقائد جيل التتويج بكأس إفريقيا 2004، أن يقدّم قراءة أكثر هدوءاً. في تصريح حصري لـAfrica Foot، قال المدافع السابق: “هذا موضوع حساس جداً، وسأعطي رأيي الشخصي. أولاً، تونس أكبر من الجميع. إذا كنت تريد اللعب لتونس، فأهلاً وسهلاً بك. نحن سعداء، و12 مليون تونسي سيكونون خلفك. وإذا كنت لا تريد، فهذا اختيارك، وبارك الله فيك. انتهى. تونس لن تتوقف عند لاعب”.
كلام الجعايدي لا يبرئ بن فرحات، لكنه يرفض تحويل القضية إلى معركة مفتوحة. بالنسبة إليه، المنتخب لا يجب أن يُختزل في لاعب، مهما كانت موهبته. وفي الوقت نفسه، لا يرى فائدة في تصعيد قد يترك آثاراً سلبية على صورة تونس، وعلى اللاعب نفسه، وربما على أي علاقة مستقبلية محتملة بين الطرفين.
🎙️ La déclaration complète de Sabri Lamouchi sur Louey Ben Farhat :
« Si on n’a pas de respect pour ce maillot, pour ce drapeau, on ne mérite pas de jouer pour la Tunisie. » 🇹🇳❌ https://t.co/4dBhDuE9sN pic.twitter.com/obmrg1xlQB
— Noussour 🇹🇳 (@NoussourTN) May 15, 2026
“لم أحب أن يفضح المدرب لاعباً”
النقطة الأكثر وضوحاً في حديث الجعايدي تخص طريقة إدارة الملف. قال بصراحة: “ما لم يعجبني هو أن يكون لدينا مدرب يفضح لاعباً في هذا الموضوع. كان يمكن أن يترك ذلك في الخلفية. لأنه أمر شخصي”. ثم أضاف أن المشكلة ربما تعود إلى سوء إدارة أو سوء تواصل داخل القسم المسؤول عن متابعة اللاعبين مزدوجي الجنسية، قبل أن يحذر من خطورة وضع اللاعب مباشرة في مواجهة الشارع التونسي.
الجعايدي شدد على أن “تعريض اللاعب وعائلته للشعب التونسي أمر خطير. هذا ليس جيداً. ليس جيداً لصورتنا ولا لصورة اللاعب. بالنسبة لي، يجب حل ذلك داخلياً. وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك”. هنا يظهر جوهر موقفه: الأزمة حقيقية، لكن إخراجها بهذا الشكل قد لا يخدم المنتخب، ولا حتى الرسالة التي أراد لموشي توجيهها.
حساسية اللاعبين مزدوجي الجنسية
المدافع السابق يعرف جيداً تعقيد هذا النوع من الملفات. قال: “اللاعبون مزدوجو الجنسية يملكون دائماً خيارين: البلد الذي وُلدوا فيه، وبلد الآباء والأجداد. وفي لحظة ما، يكون الاختيار صعباً”. ثم شرح أن اللاعب الشاب، حين ينشأ في ألمانيا أو فرنسا مثلاً، قد يشعر بانتماء قوي إلى البلد الذي كوّنه، رياضياً واجتماعياً، حتى لو كان مرتبطاً عائلياً بتونس.
وأضاف الجعايدي بواقعية: “إذا كنا صادقين، فإن مزدوجي الجنسية يريدون غالباً اللعب للبلد الذي وُلدوا فيه. لأنه أقوى، ورياضياً أكبر، في كل الجوانب”. واستشهد أيضاً بحالة راني خضيرة، الذي اختار تونس في سن متأخرة، قائلاً إن عامل الوقت والحسابات الرياضية يلعبان دوراً كبيراً في هذه القرارات.
لموشي نفسه يعرف هذا الطريق
المفارقة أن صبري لموشي نفسه عاش، كلاعب، مساراً مشابهاً من زاوية الهوية الرياضية. وُلد في فرنسا، ولعب للمنتخب الفرنسي رغم أصوله التونسية. صحيح أن حالته ليست مطابقة لحالة بن فرحات، لأنه لم يكن قد لعب لتونس ثم تراجع، لكن الخلفية تجعل رد فعله الحاد أكثر قابلية للنقاش. الجعايدي لم يهاجم لموشي، بل قال عنه: “أحترم صبري كثيراً. أحب الشخص، وأتابعه منذ أن ذهب إلى نوتنغهام. لكن لا يجب أن يقع في هذا الفخ”.
هذه العبارة تلخّص موقفاً متوازناً. الجعايدي يتفهم غضب المدرب، خصوصاً إذا كان الاتصال من والد اللاعب قد جاء قبل ساعات قليلة من إعلان القائمة. لكنه يرى أن الغضب لا يجب أن يتحول إلى قطيعة علنية. “لا نعرف أبداً. ربما يغير الصغير رأيه بعد أشهر ويعود ليريد اللعب مع تونس. ربما كان سوء فهم. وربما فعلاً يريد اللعب لألمانيا، ونعرف أن ألمانيا أكثر إغراء من تونس”، يقول الجعايدي.
تونس لا تحتاج إلى كسر الجسور
ما يقوله الجعايدي ليس دعوة للتساهل مع أي لاعب يتعامل بخفة مع المنتخب. بل هو تذكير بأن إدارة المواهب مزدوجة الجنسية تحتاج إلى هدوء وذكاء، لا إلى ردود فعل حادة. تونس، كما قال، “أكبر من الجميع”، لكن قوتها لا تكون فقط في إغلاق الأبواب، بل في معرفة متى تترك نافذة صغيرة للمستقبل.
في النهاية، قد يكون بن فرحات قد خسر كثيراً في صورته داخل تونس، وقد يكون لموشي ربح تعاطف جزء كبير من الشارع الرياضي. لكن راضي الجعايدي ينظر إلى أبعد من لحظة الغضب. المنتخبات لا تُبنى فقط بالكرامة، بل أيضاً بالحكمة. وإذا كان لاعب لا يريد القميص اليوم، فليذهب. لكن لا داعي لأن يتحول كل ملف إلى حريق عام. تونس تحتاج إلى من يريدها، نعم، لكنها تحتاج أيضاً إلى حماية صورتها وهي تدير مثل هذه الأزمات.





