حقق المنتخب الجزائري فوزاً ثميناً على هولندا في روتردام، في مباراة ودية لم تكن سهلة في تفاصيلها ولا مريحة في قراءتها. الخضر عانوا طويلاً، تركوا المبادرة للمنافس في فترات كثيرة، واحتاجوا إلى صلابة دفاعية كبيرة قبل أن يخطف أنيس حاج موسى هدفاً رائعاً قبل النهاية بخمس دقائق. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذا الانتصار كعرض مكتمل، لكنه يبقى فوزاً ذا قيمة عالية، لأنه جاء على أرض منتخب أوروبي كبير، وفي توقيت حساس قبل كأس العالم والمواجهة المنتظرة أمام الأرجنتين.
لوكا زيدان يبعث رسالة طمأنة قوية
الدرس الأول جاء من لوكا زيدان. رغم دخوله المباراة بظروف خاصة، واضعاً قناعاً واقياً بعد إصابته في الفك، احتاج حارس المنتخب الجزائري إلى ربع ساعة تقريباً قبل أن يدخل تماماً في أجواء اللقاء. بعدها، بدا أكثر ثقة وثباتاً، ونجح في التصدي لأربع أو خمس كرات مهمة على خطه، حتى وإن كانت أغلب المحاولات الهولندية من مسافات بعيدة. في مثل هذه المباريات، التفاصيل النفسية لا تقل أهمية عن التفاصيل الفنية. زيدان لم ينهِ فقط الشكوك حول جاهزيته، بل أرسل أيضاً رسالة واضحة إلى منافسيه، وعلى رأسهم أسامة بن بوط، بأن مكانه بين الخشبات أصبح أكثر صلابة قبل المونديال.
أنيس حاج موسى يتحول من بديل إلى ورقة حاسمة
الدرس الثاني أن أنيس حاج موسى لم يدخل فقط ليمنح نفساً جديداً للجهة اليمنى، بل دخل ليغيّر شكل المباراة. في ملعب يعرفه جيداً، بحكم لعبه مع فينورد، أربك الدفاع الهولندي في كل كرة تقريباً وصلت إليه، ونجح في صناعة الفارق من سبع أو تسع كرات قابلة للاستثمار. هدفه كان لقطة من أعلى مستوى: تمريرة ذكية من نabil بن طالب، تحكم سريع، ثم تسديدة يسارية في الزاوية البعيدة. بهذا الأداء، لم يعد حاج موسى مجرد بديل لرياض محرز أو خياراً لإراحة القائد. لقد منح فلاديمير بيتكوفيتش مادة حقيقية للتفكير، وربما فتح نقاشاً لم يكن مطروحاً بهذه القوة: هل أصبح أكثر خطورة من محرز في هذه اللحظة؟
FULL TIME | نهاية المباراة#LesVerts ⭐️⭐️ | #123VivaLAlgérie 🇩🇿 | #WorldCup2026 | #FIFAWORLDCUP pic.twitter.com/IxIPE5dBbh
— Équipe d’Algérie de football (@LesVerts) June 3, 2026
صلابة جماعية منحت الجزائر القدرة على الصمود
الدرس الثالث أن الجزائر ربحت المباراة أيضاً بروحها الجماعية. لا بد من الحذر هنا، لأن القراءة كانت ستختلف لو لم يتدخل لوكا زيدان بهذا الشكل، أو لو كان دونييل مالن أكثر دقة في اللمسة الأخيرة. لكن ذلك لا يمنع الإشارة إلى أن الخضر لم ينهاروا، لا في الشوط الأول ولا بعد التغييرات الكثيرة التي أجراها بيتكوفيتش بين الشوطين. بليد، عبادة، ماندي وآيت نوري في البداية، ثم توقاي، حجام وبلغالي بعد الاستراحة، حافظوا على حد أدنى من التنسيق واليقظة. والأهم أن الجهد لم يكن دفاعياً فقط. عمورة عاد أكثر من مرة لقطع كرات خطيرة، ومحرز لم يكن مؤثراً هجومياً، لكنه بذل جهداً واضحاً لمساندة فريقه دون كرة.
غويري وعوار يتركان أسئلة مفتوحة
الدرس الرابع أقل إيجابية، ويتعلق بالقطاع الهجومي بين الوسط والهجوم. أمين غويري لم يكن مؤثراً بما يكفي، ولم ينجح في تهديد الدفاع الهولندي أو منح الجزائر نقطة ارتكاز هجومية واضحة. حسام عوار بدوره بدا بعيداً عن أفضل حالاته، ولم يمنح الفريق الجودة المنتظرة في الخروج بالكرة أو ربط الخطوط. من الإنصاف التذكير بأن السياق لم يساعدهما، لأن الجزائر لعبت فترات طويلة وهي مقسومة إلى نصفين وتحت ضغط هولندي متواصل. لكن في سباق الأماكن قبل كأس العالم، هذا النوع من المباريات يترك أثراً. دخول بن بوعلي ومازة لم يغيّر الصورة كثيراً، ما يعني أن هذا الجزء من الفريق لا يزال بحاجة إلى حلول أكثر وضوحاً.
Voir cette publication sur InstagramUne publication partagée par Équipe d’Algérie de football (@lesverts.faf)
فوز تاريخي لا يجب التقليل من قيمته
الدرس الخامس أن الجزائر حققت شيئاً نادراً في تاريخها: الفوز على أرض منتخب أوروبي كبير. الانتصارات السابقة خارج الديار الأوروبية كانت محدودة، مثل تركيا عام 1979 ومالطا عام 1989، لكنها لم تكن أمام قوة كروية بحجم هولندا. لذلك، حتى لو تحدّث البعض عن فوز بطعم “الاختطاف”، تبقى قيمته المعنوية كبيرة جداً. الخضر لم يسيطروا، لكنهم عرفوا كيف يعبرون فترات الضغط، وكيف ينتظرون اللحظة المناسبة لضرب المنافس. قبل مواجهة الأرجنتين في كأس العالم، يحتاج بيتكوفيتش إلى هذا النوع من المباريات بقدر حاجته إلى العروض الجميلة. لأن البطولات الكبرى لا تُلعب دائماً بالهيمنة، بل أحياناً بالقدرة على البقاء واقفاً حتى تأتي الفرصة الوحيدة.





