في كرة القدم، لا تُصنع المسيرات دائماً بالموهبة وحدها، بل بالاختيارات الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى منعطفات كبرى. قصة عبدالله ياسين، اللاعب الفرنسي المصري المولود عام 1994، تنتمي إلى هذا النوع من الحكايات التي تحمل شيئاً من الجاذبية وشيئاً من القسوة. فقد وجد نفسه في لحظة ما أمام طريقين: قبول عروض من دوري الدرجة الثانية الفرنسية، أو البقاء في باريس سان جيرمان، ولو داخل الفريق الرديف، مع حلم الاقتراب من نجوم بحجم كيليان مبابي ونيمار.
عبدالله ياسين وقرار البقاء في باريس سان جيرمان
في منشور مطوّل على حسابه في “لينكدإن”، روى عبدالله ياسين أنه رفض Ligue 2 من أجل الاستمرار في باريس سان جيرمان، ليس بدافع الغرور، كما قال، بل عن قناعة. كان في الخامسة والعشرين من عمره، متزوجاً حديثاً، يعيش قريباً من عائلته، ويحمل شارة قيادة الفريق الرديف. الأهم أنه كان يتدرب بانتظام مع الفريق الأول، في زمن كان فيه باريس يضم نيمار ومبابي، ما جعله يشعر أن الباب لم يُغلق تماماً أمام حلم الصعود.
لكن هنا تحديداً تبدأ القراءة الأخرى للقصة. ربما لم يكن القرار خالياً من الرومانسية الزائدة. اللاعب كان يرى كيف بدأ كيفن ريماني، القادم أيضاً من الرديف، يحصل على دقائق مع الفريق الأول، فطرح السؤال الطبيعي: لماذا لا يحدث الأمر معي؟ غير أن كرة القدم الاحترافية لا تكافئ دائماً الانتظار، ولا تمنح الفرص لمن يكتفي بالبقاء قريباً من الضوء. أحياناً، يحتاج اللاعب إلى أن يكون أكثر أنانية، كما قال أرسين فينغر مؤخراً في مؤتمر “في غرف الملابس أولاً ثبّت مكانك ومسارك، ثم فكّر في المجموعة”.
من خيبة باريس إلى اكتشاف مصر
الصدمة جاءت عندما أعلن أنتيرو هنريكي، قبل عطلة الصيف، إلغاء فريق N2 في باريس سان جيرمان. في اجتماع واحد، انهار التوازن الذي بنى عليه ياسين قراره. لم يعد هناك فريق رديف، ولا دور واضح، ولا سبب حقيقي للبقاء. كان يمكنه أن يغرق في الندم لأنه رفض عروضاً أكثر واقعية، لكنه اختار طريقاً آخر: السفر إلى مصر، بلد أصوله، وبناء فصل جديد في مسيرته.
وهنا يظهر الجانب المضيء في الحكاية. ياسين نفسه يقول إنه لا يشعر بالندم، وأن تلك الضربة أجبرته على قرار لم يكن ليأخذه وحده. في مصر، قضى ست سنوات، صنع لنفسه اسماً، ونال دعوتين للمنتخب الوطني، في بلد يعيش كرة القدم بشغف هائل. لم تكن النهاية التي تخيلها عندما كان يتدرب بجوار نجوم باريس، لكنها لم تكن فشلاً كاملاً أيضاً. كانت درساً في النضج، وفي أن الإعجاب بالنجوم لا يجب أن يسرق من اللاعب طموحه الشخصي.
قصة عبدالله ياسين تصلح كرسالة للاعبين الشباب. الإخلاص لنادٍ كبير جميل، والتدرب مع أسماء عالمية تجربة لا تُنسى، لكن المسيرة لا تُبنى بالانبهار وحده. في لحظة معينة، يجب أن يسأل اللاعب نفسه: هل أنا قريب من الحلم، أم فقط قريب من الذين يعيشونه؟ ياسين يروي قصته بلا عقدة، وبصدق يحسب له، وربما لهذا تبدو تجربته مفيدة أكثر من كونها مجرد حكاية طريفة عن لاعب اختار باريس، ثم وجد نفسه يبدأ من جديد في مصر.





