حين يلعب عيسى ماندي أمام هولندا هذا الأربعاء، سيبلغ مباراته الدولية رقم 117 مع المنتخب الجزائري، ومعها سبعة أهداف ومسيرة امتدت بهدوء لا يشبه كثيراً ضجيج كرة القدم. من مونديال 2014 إلى مونديال 2026، بقي المدافع الجزائري واقفاً في قلب المشهد، مع رياض محرز ونبيل بن طالب، كثلاثة وجوه نجت من مرور الزمن ومن تبدل الأجيال. لم يكن كثيرون يتوقعون له كل هذا العمر الدولي، لكنه بنى مكانته كما يبني المدافعون الكبار مسيرتهم: خطوة خطوة، من دون ادعاء، وبكثير من الانضباط.
ماندي… سر الاستمرارية
كارل مجاني، الذي جاور ماندي في المنتخب بين 2010 و2018، لا يبدو مندهشاً من هذه الرحلة الطويلة. في حديث حصري مع Africa Foot، يقول: “لا يمكن أبداً أن تتوقع أن لاعباً ما سيبقى 12 عاماً في المنتخب ويصل إلى أكثر من 110 مباريات، لأن ذلك يبقى استثناءً في كرة القدم. لكن عيسى كان دائماً لاعباً جاداً، منضبطاً، ومنتبهاً جداً لنمط حياته”. بالنسبة إلى مجاني، لم يصنع ماندي هذا الرقم بالصدفة، بل لأنه كان “يهتم بكل التفاصيل في التحضير حتى يكون في أفضل حال”.
منير زغدود: مباراة هولندا اختبار مهم قبل مواجهة الأرجنتين
هذا الجانب يتكرر أيضاً في شهادة مراد سلاطني، الدولي السابق ومدرب منتخب الجزائر لأقل من 18 عاماً سابقاً. فهو يرى أن ماندي “فوق الجميع” في مركزه، ليس لأنه أكثر المدافعين استعراضاً، بل لأنه يعرف حدوده جيداً. يقول عنه: “ليس تقنياً كبيراً، لكنه تكتيكي. يلعب بصفاته، ولا يغامر خارج مجاله”. تلك العبارة تختصر شيئاً من قيمة ماندي: لاعب لا يبيع الوهم، لا يكثر من المخاطرة، ولا يحاول أن يكون غير ما هو عليه.
من 2014 إلى 2026.. 3 أسماء فقط متبقية في قائمة محاربي الصحراء📋🔥
رياض محرز✅
عيسى ماندي✅
نبيل بن طالب✅أسماء تقود حلم منتخب الجزائر في تجربة قد تكون الأخيرة مع كأس العالم🇩🇿⭐ pic.twitter.com/z3QR6L4YK4
— GOAL Arabia (@GoalAR) June 1, 2026
عقل دفاعي قبل كل شيء
في الملعب، لا يحتاج ماندي إلى لقطة كبيرة حتى يفرض حضوره. قوته تكمن في التمركز، قراءة الخطر، توقيت التدخل، ونظافة الخروج بالكرة. مجاني يذكّر بأنه بدأ مع الجزائر ظهيراً أيمن قبل أن يستقر في المحور، وهذا ما منحه فهماً أوسع للخط الخلفي. يقول: “كان دائماً صارماً، مطبقاً للتعليمات ونظيفاً في إخراج الكرة. لذلك لعب سنوات طويلة في إسبانيا، وهو قوي أيضاً في الثنائيات. إنه شخص يمكنك الذهاب معه إلى المعركة”.
لماذا يبقى بن سبعيني قطعة نادرة في منتخب الجزائر؟
هذه الجملة الأخيرة تقول الكثير. في كأس العالم، تحتاج المنتخبات إلى لاعبين لا ينهارون مع الضغط ولا يخرجون عن النص التكتيكي عند أول عاصفة. ماندي من هذا النوع. قد لا يخطف الأضواء، لكنه يمنح المدرب شيئاً لا يُقدّر بثمن: الثقة. منير زغدود، المدرب الحالي لنجم بن عكنون وصاحب 31 مباراة مع الجزائر، يلخص الأمر بقوله: “قبل كل شيء، هو محترف كبير. يمنح دائماً كل ما لديه. الخبرة التي يملكها لا تجدها عند أي لاعب”.
قيمة تتجاوز الملعب
بالنسبة إلى زغدود، لا يتعلق الأمر بالملعب وحده. ماندي يحمل وزناً داخل المجموعة، حتى في تفاصيل لا تظهر للمتابعين. يقول: “نحن نتحدث عن الخبرة، الانسجام، القيادة… لاعب مثل ماندي يقدم الكثير، حتى لو كان في نهاية مسيرته. نحتاج إليه داخل الملعب وخارجه. وهناك بالتأكيد أشياء لا نعرفها عن قيمته داخل المجموعة”. هذه الشهادة تشرح لماذا يصعب على أي مدرب الاستغناء عنه، حتى مع تقدمه في السن.
مجاني يذهب في الاتجاه نفسه حين يتحدث عن شخصية ماندي من الداخل. يقول: “هو مثلما يظهر في الملعب: جاد، موثوق، محترم ومحل ثقة”. ثم يضيف أنه من “الأشخاص القلائل” من المنتخب الذين حافظ معهم على علاقة حتى اليوم. ليست مصادفة أن يجتمع زملاء سابقون ومدافعون سابقون على الكلمات نفسها: الجدية، الثقة، الانضباط. هذه ليست صفات ثانوية في مدافع دولي، بل هي رأس المال الحقيقي له.
Voir cette publication sur Instagram
مع بن سبعيني… ثنائي يحتاج إلى عناية
على المستوى التكتيكي، يملك ماندي قيمة إضافية في علاقته برامي بن سبعيني. الأول أكثر هدوءاً وحساباً، والثاني أكثر اندفاعاً وجرأة في كسر الخطوط. مجاني يرى أن هذا التوازن مهم، قائلاً إن ماندي “لاعب ذكي”، ويمكن وضع أي شريك إلى جانبه لأنه يعرف كيف يجعل الثنائية تعمل. ويستعيد أيضاً شراكته السابقة مع جمال بن العمري في كأس إفريقيا 2019، حين شكل الدفاع الجزائري واحدة من مفاتيح التتويج.
الجزائر في كأس العالم 2026: القائمة، البرنامج، التحليل وأبرز اللاعبين
سلاطني يضيف زاوية لا تقل أهمية: غياب ماندي أو بن سبعيني في المونديال سيترك أثراً مباشراً. يقول إن المدرب “سيجد مشاكل” إذا اضطر إلى تعويض أحدهما، مؤكداً أن المحافظة على هذا الثنائي ستكون حاسمة. هنا تظهر إحدى معضلات الجزائر قبل كأس العالم: تملك قائداً دفاعياً موثوقاً، لكنها لم تجهز بعد بديلاً يمنح الضمانات نفسها. ماندي، حتى وهو في الرابعة والثلاثين، لا يزال مرجعاً أكثر من كونه مجرد لاعب قديم في القائمة.
آخر مونديال بصورة تليق به؟
حين يتحدث مجاني عن ماندي ومحرز وبن طالب، يعود إلى مونديال 2014. يقول إن وجود هؤلاء الثلاثة “أمر أساسي”، لأن كأس العالم ليست كأس إفريقيا، بل مسابقة مختلفة بضغوط ومعايير أخرى. ويضيف عنهم: “يعرفون أنها قد تكون آخر كأس عالم لهم، ويريدون أن يتركوا صورة أجمل مع المنتخب، رغم أن صورتهم جميلة أصلاً”. بالنسبة إلى ماندي تحديداً، تبدو الفرصة مزدوجة: حماية دفاع الجزائر، وترك آخر بصمة في بطولة كبرى.
في النهاية، لا يحتاج عيسى ماندي إلى خطاب كبير كي يثبت قيمته. أرقامه تتحدث، وشهادات من عرفوا الدفاع من الداخل تؤكد ما يعرفه بيتكوفيتش جيداً: هذا لاعب لا يُعوّض بسهولة. قد لا يكون الأكثر لمعاناً، ولا صاحب الحركة التي تملأ الشاشات، لكنه من ذلك النوع الذي يكتشف الفريق قيمته أكثر عندما يغيب. وقبل مونديال 2026، تبدو الجزائر بحاجة إلى هدوئه بقدر حاجتها إلى نجومها. هكذا تُبنى المنتخبات الكبيرة: بموهبة من يلمعون، وبثبات من يحملون الفريق بصمت.





