هناك لاعبون لا يبقون في الذاكرة بسبب أرقامهم فقط، بل بسبب الروح التي حملوها داخل المنتخب. مهدي مصطفى واحد من هؤلاء. لاعب لم يكن يبحث عن الأضواء، لكنه كان دائماً حاضراً حيث يحتاجه الفريق: في الالتحامات، في التوازن، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع شخصية المجموعة. خلال مونديال 2014 في البرازيل، كان من بين الوجوه التي جسدت أفضل نسخة من المنتخب الجزائري، نسخة آمنت بنفسها، قاتلت حتى النهاية، وتركت أثراً لا يُمحى في وجدان الجزائريين.
مهدي مصطفى: تيطراوي قادر على منح الجزائر تأثيراً كبيراً
منذ نهاية مسيرته الاحترافية، اختار الدولي الجزائري السابق الابتعاد نسبياً عن الإعلام، من دون أن يبتعد عن كرة القدم. بقي قريباً من اللعبة، ومن اللاعبين، ومن المنتخب الوطني الذي ما زال يعتبره جزءاً أساسياً من حياته. ومع اقتراب الجزائر من تحدٍّ عالمي جديد، قبل مهدي مصطفى أن يفتح قلبه في حوار حصري مع Africafoot، متحدثاً عن ذكرياته في البرازيل، وعن الجيل الحالي، وعن نضج بعض الأسماء وغياب أخرى عن قائمة الخضر.
في هذا الحوار، يتوقف مصطفى عند العودة القوية لنبيل بن طالب، الموهبة اللافتة لإبراهيم مازة، وعدم استدعاء إسماعيل بن ناصر، كما يتحدث بوضوح عن ما تحتاجه الجزائر في كأس العالم: الموهبة وحدها لا تكفي، والروح القتالية تبقى سلاحاً لا غنى عنه.
بداية، مهدي، كيف حالك؟ وماذا تفعل حالياً بعد نهاية مسيرتك؟
أنا بخير، شكراً. أحاول أن أستمتع بوقتي مع عائلتي، مع البقاء قريباً من كرة القدم. أرافق بعض اللاعبين في مشوارهم، كما عملت لثلاث سنوات مع نادي أجاكسيو في منصب كشاف. الأمور تسير بشكل جيد جداً.
بصفتك دولياً جزائرياً سابقاً، يبدو أن علاقة خاصة ما زالت تربطك بالمنتخب. مع اقتراب كأس العالم، هل تشعر بحماس خاص تجاه الخضر؟
طبعاً. ما زلت أتابع مباريات المنتخب، وأحرص على الاطمئنان على بعض اللاعبين من وقت إلى آخر. أنا مرتبط جداً بالمنتخب الوطني. أعرف جيداً ما الذي منحه لي في حياتي، لذلك سأبقى مشجعاً للخضر طوال عمري.
«مونديال 2014؟ أجمل تجربة عشتها في كرة القدم»
مشواركم في مونديال 2014 ما زال محفوراً في ذاكرة الجزائريين. هل تعتبره قمة مسيرتك؟
بلا شك. خضت مسيرة جميلة، ولعبت في أندية محترمة في فرنسا، لكن المشاركة في كأس العالم بالبرازيل تبقى أجمل تجربة عشتها كلاعب كرة قدم. كان شيئاً لا يُنسى. عندما تستعيد تلك اللحظات، تعود إليك مشاعر كثيرة من الحنين والفخر.
اليوم، هل أنت متفائل بقدرة هذا الجيل الجديد على تجاوز الدور الأول في كأس العالم؟
نعم، وبكل صدق. أنا متفائل دائماً. ربما أنا مثل إبراهيم مازة، أحب أن أقول إن الجزائر قادرة حتى على الفوز بكأس العالم (يضحك). في كرة القدم، يمكن أن تحدث أشياء رائعة. أنا أؤمن بهذا المنتخب وبهذا الجيل، لأنه يملك الكثير من المواهب. في 2014، ربما لم نكن نملك نفس حجم الموهبة الفردية الموجودة حالياً، لكننا كنا جنوداً، بقلب محارب. إذا نجح هذا الجيل في إيجاد تلك الروح الإضافية، يمكن للمنتخب الوطني أن يذهب بعيداً. وهذا ما أتمناه لهم من كل قلبي، إن شاء الله.
الجزائر فازت مؤخراً على هولندا ودياً، وأظهرت شخصية قوية وقدرة على الصمود. هل ترى أن هذه الروح القتالية يجب أن تكون أولوية، أم أن الجزائر مطالبة أولاً بالاعتماد على جودتها الفنية المعتادة؟
يجب أن نحافظ على هويتنا الفنية، هذا أمر لا نقاش فيه. لكن أمام هولندا، وهي منتخب يملك خبرة كبيرة، صنعت الروح القتالية والشراسة في الثنائيات الفارق. حتى مدربهم رونالد كومان تفاجأ بذلك. الفوز بهذا النوع من المباريات الودية ليس تفصيلاً بسيطاً، لأنه يمنح ثقة كبيرة قبل بطولة كبرى. عندما تضيف تلك الروح إلى الجودة الفنية، يمكن أن تفاجئ منتخبات تبدو أقوى منك على الورق.
عودة بن طالب، بروز مازة وغياب بن ناصر
في وسط الميدان، عاد نبيل بن طالب إلى المنتخب. أنت عرفته في 2014. بعد ما مر به صحياً، هل ترى أن استمراره وعودته بهذا المستوى أمر يستحق الإشادة؟
طبعاً، وعلى المستوى الشخصي أجد ما حققه أمراً رائعاً فعلاً. نبيل شخص بقيت على تواصل معه، نتبادل الرسائل من حين إلى آخر. ما حدث له صحياً كان صادماً لنا جميعاً، ولذلك حرصت وقتها على الاطمئنان عليه. أن تراه يعود بهذه القوة اليوم، وأن يقدم موسماً جيداً جداً مع ليل، فهذا شيء كبير. بالنظر إلى كل ما مر به والمستوى الذي يقدمه حالياً، أعتقد بصدق أنه يجب أن يكون عنصراً مهماً في وسط ميدان المنتخب خلال كأس العالم.
تحدثنا قبل قليل عن إبراهيم مازة. كيف ترى هذا اللاعب المبدع الذي يمنح المنتخب شيئاً من الانتعاش؟
أنا أحب هذا اللاعب كثيراً. إنه يمنح المنتخب بالضبط ما يحتاجه: نفساً جديداً. يلعب دائماً بابتسامة، ويجلب معه نوعاً من العفوية الجميلة داخل الفريق. لا أعرفه شخصياً، لكنه يترك انطباعاً إيجابياً بسرعة. إلى جانب موهبته الكبيرة، أعتقد أن فرحته باللعب وحيويته ستفيدان المنتخب كثيراً.
في المقابل، يغيب اسم مهم عن القائمة: إسماعيل بن ناصر. هل تتفهم اختيار المدرب، خاصة إذا كان يبحث عن ضمانات بدنية أكبر؟
في النهاية، اختيارات المدرب تبقى اختيارات المدرب. أتذكر أنه في جيلنا، عام 2014، لم يتم استدعاء عدلان قديورة رغم كل القدرات التي كان يملكها. كان آخر لاعب تم استبعاده من القائمة، إذا صح التعبير، ولم يشارك في كأس العالم. هذه لحظات صعبة وحزينة دائماً، لكنها جزء من حياة كل منتخب.
بالنسبة لإسماعيل بن ناصر، أنا أحب هذا اللاعب كثيراً، وأحب أيضاً التأثير الذي يمكن أن يتركه في الملعب. أعرفه قليلاً، وأدرك أنه لاعب تنافسي جداً، لذلك لا شك أنه شعر بخيبة أمل كبيرة. بروز نبيل بن طالب هذا الموسم، والمباريات الجيدة التي قدمها، لم يخدما موقفه للأسف. كما أن بن ناصر عانى كثيراً من الإصابات في فترات مختلفة. لكن في كرة القدم لا يمكن التنبؤ بأي شيء. قد يكون هناك لاعب في القائمة قضى موسماً كاملاً في أفضل حالاته، ثم يتعرض فجأة لمشكلة بدنية. لا أحد يستطيع توقع ذلك.
أعتقد أن المدرب تعامل بواقعية مع اختياراته. ربما رأى أن هناك ضمانات أكبر، في هذه اللحظة تحديداً، مع بن طالب أو لاعب آخر مقارنة ببن ناصر. طبعاً، لو كنت مكان إسماعيل لشعرت بإحباط كبير، لكن ما يجب التأكيد عليه أنه يبقى محباً للمنتخب الوطني. رأيت أنه نشر رسالة جميلة أكد فيها دعمه الكامل للفريق. وهذا يثبت أننا نتحدث عن لاعبين يملكون عقلية ممتازة، ومن المهم جداً الإشارة إلى ذلك.





