ابتعد عبد المالك شراد منذ سنوات عن الملاعب وعن الأضواء المحيطة بعالم كرة القدم، لكنه لم يتوقف عن متابعة المنتخب الجزائري وتفاصيله. المهاجم الدولي السابق، الذي خاض 17 مباراة بقميص الخضر بين عامي 2003 و2007، ما زال يحتفظ بنظرته الدقيقة إلى ما يحدث داخل المنتخب، ولا يتردد في التعبير عن مواقفه بصراحة عندما يتعلق الأمر بمستقبل الكرة الجزائرية.
وفي هذا الحوار الحصري مع أفريكا فوت، قدّم شراد تقييماً صريحاً لمشاركة الجزائر في كأس العالم، معتبراً أن التأهل من دور المجموعات لا يخفي محدودية الحصيلة. كما توقف عند اختيارات فلاديمير بيتكوفيتش، وغياب أسماء كان يراها جديرة بالمشاركة، إلى جانب استمرار المشاكل الدفاعية وافتقاد المنتخب لمهاجم صريح قادر على إنهاء الفرص.
نور الدين قريشي: «مع حاليلوزيتش، كان الجانب الإنساني أولوية»
وتناول شراد أيضاً مسألة الروح القتالية التي غابت، بحسب رأيه، عن عدد من مباريات الخضر، مؤكداً أن الجودة الفنية وحدها لا تكفي من دون الصلابة والاندفاع والرغبة في الفوز بالالتحامات. ولم يتوقف الحديث عند المونديال، إذ تطرق اللاعب السابق إلى هوية المدرب الأنسب لقيادة المنتخب في المرحلة المقبلة. وبين عودة جمال بلماضي، وخيارات باتريس بوميل وهيرفي رونار، عبّر شراد عن ثقته في مجيد بوقرة، الذي يراه أكثر شرعية وخبرة من أسماء أخرى طرحت مؤخراً.
كيف تقيّم مشاركة المنتخب الجزائري في كأس العالم؟
كانت المشاركة متوسطة جداً. صحيح أننا تجاوزنا دور المجموعات، لكن هذا الأمر لم يعد يعني الكثير في ظل ارتفاع عدد المنتخبات المشاركة والمتأهلة إلى الأدوار الإقصائية. مجموعتنا كانت قوية، وهذا أمر لا يمكن إنكاره، لكن الحصيلة في النهاية تبقى مخيبة للآمال.
هل شعرت أن مردود المنتخب كان أقل من التوقعات؟
هناك اختيارات لم أفهمها منذ الإعلان عن قائمة اللاعبين، وأعتقد أن عدداً كبيراً من الجزائريين يشاطرونني الرأي نفسه. لاعب مثل إسماعيل بن ناصر، حتى وإن لم يعد ينشط في بطولة كبيرة، يبقى مهماً بسبب خبرته. أنا لا أحب انتقاد اللاعبين، لكنني لم أفهم كيف تم تفضيل رامز زروقي عليه. هناك أيضاً إيلان قبال، لاعب باريس إف سي، الذي كان يستحق الحضور. غيابه عن القائمة فاجأني كثيراً. المشكلة الأخرى كانت في الخط الخلفي. قبل السفر إلى المونديال، كان الجميع يعرف أن ثنائية رامي بن سبعيني وعيسى ماندي لم تعد تمنح الضمانات الكافية في محور الدفاع. في مرحلة معينة، يجب التوقف ومنح الفرصة لأسماء أخرى من أجل ضخ دماء جديدة. لقد استقبلنا هدفاً في كل مباراة تقريباً، حتى أمام الأردن. بعض اللاعبين خيبوا أملي أيضاً، ومن بينهم محمد الأمين عمورة، حتى وإن كان قد عانى من الإصابة في نهاية البطولة.
ظهر أيضاً نقص واضح في مركز قلب الهجوم، إلى درجة أن إبراهيم مازة لعب في هذا المركز أمام سويسرا. بصفتك مهاجماً سابقاً، هل تعتقد أن الجزائر تعاني فعلاً في هذا المنصب؟
نعم ولا. كان من الممكن الاعتماد على عادل بولبينة في هذا المركز. إنه مهاجم جيد جداً، وقادر على اللعب كرأس حربة. كنت أتمنى مشاهدته لفترة أطول، لأنه يتحرك كثيراً، ويتمتع بالخطورة والمهارة الفنية، ويمكنه إزعاج العديد من المنتخبات. هناك أيضاً أمين شياخة، الذي كان قادراً على تقديم الإضافة. لا يزال شاباً، ويجب منحه الوقت الكافي للتطور. لكن من الصحيح أننا لا نملك البديل الكافي في هذا المركز بالتحديد. نفتقد إلى اللاعبين القادرين على إنهاء الهجمات وتحويل الفرص إلى أهداف. هناك نقص كبير في هذا الجانب. لا نملك مهاجمين يسجلون 20 هدفاً في الموسم، ولا حتى 15 هدفاً. مهاجمون مثل بغداد بونجاح وإسلام سليماني، أو حتى من كانوا موجودين في جيلي، لم يعودوا متوفرين بكثرة. سيكون هناك عمل كبير يجب القيام به في هذا المركز.
خالد لونيسي: «لا يوجد مدرب جزائري مؤهل تماماً لقيادة المنتخب»
هل كانت هناك نقاط إيجابية رغم كل شيء؟
أعتقد أن أبرز نقطة إيجابية كانت إبراهيم مازة. أما رياض محرز، فقد قدم ما استطاع تقديمه، مع كامل الاحترام له. فارس شايبي قام أيضاً ببعض الأشياء الجيدة، كما أعجبني كثيراً الظهير الأيمن رفيق بلغالي.
هناك من انتقد أيضاً الحالة الذهنية للمنتخب وغياب الروح القتالية. هل توافق على ذلك؟
بالتأكيد. لم أرَ القيم التي اعتدنا عليها في المنتخب الجزائري، خصوصاً الحماس والقتال والرغبة في التفوق. في هذا المستوى، لا يمكنك الذهاب بعيداً من دون هذه الصفات، حتى وإن كانت كل الاحتمالات تبقى واردة في مباراة إقصائية واحدة. لم أتعرف على المنتخب الذي أعرفه. يمكن أن نكون أقل جودة من المنافس، لا مشكلة، لكن يجب أن نقاتل ونرد بقوة. قاتل! إن لم تفز بالالتحامات، فلن تفز بالمباريات. رأينا الأمر نفسه مع منتخب فرنسا أمام إسبانيا. المسألة مرتبطة بالحالة الذهنية، وهذا أكثر ما أزعجني. عندما تلعب من أجل بلدك، ويسافر الناس من أجل مساندتك، وتُوفر لك أفضل الظروف، وهي ظروف لم تكن متاحة لنا في فترتنا، فلا يحق لك أن تستسلم أو تخفض رأسك. نملك لاعبين جيدين من الناحية الفنية، ولا يوجد خلاف حول ذلك. سيظل لدينا لاعبون مثل مازة ومحرز وقبال، لكن ما ينقصنا هو الروح الإضافية، إلى جانب خط دفاع قوي. آخر مرة امتلكنا فيها قاعدة دفاعية صلبة كانت خلال كأس أمم إفريقيا 2019، خصوصاً بوجود جمال بلعمري.
هل يتحمل اللاعبون المسؤولية الأكبر عن هذا المونديال المخيب، أم أن المدرب هو المسؤول؟
أعتقد أن المسؤولية مشتركة. لكن في النهاية، من يختار اللاعبين؟ إنه المدرب. وبصراحة، وجود مدرب أجنبي على رأس منتخبنا يزعجني في الأصل. قبل سنوات، قلت إن الجزائريين سيندمون على جمال بلماضي، وما يحدث اليوم يؤكد ذلك للأسف.
سبق لك العمل مع مدربين محليين وأجانب مثل روبير فاسيج وجان ميشال كافالي. هل تعتقد أن المدرب الجزائري وحده قادر على استخراج أفضل ما لدى المنتخب؟
مع المدرب الأجنبي، يمكن أن تظهر دائماً مشكلة في التواصل. وهذا ما حدث، في رأيي، مع فلاديمير بيتكوفيتش. من حيث المبدأ، لا أرفض أن يكون المدرب أجنبياً، لكن الجزائر بلد له خصوصيته، بثقافته وقيمه ومبادئه. يجب أن تكون هناك علاقة حقيقية واتصال قوي بين المدرب والمحيط. هذا ما حدث مع وحيد خليلوزيتش. يمكن أن ينجح الأمر أيضاً مع هيرفي رونار، الذي يمتلك خبرة كبيرة في إفريقيا وفي المنطقة العربية، أو مع باتريس بوميل، الذي سبق له تدريب مولودية الجزائر. هؤلاء مدربون أجانب، لكنهم يعرفون بيئتنا ويدركون طريقة تفكير اللاعب الجزائري. المسألة لا تتعلق بجنسية المدرب فقط، بل بمجموعة من العوامل. أما بيتكوفيتش، فلم أقتنع به منذ البداية. وأعتقد أنه استفاد أيضاً من بعض ثمار العمل الذي أنجزه بلماضي، سواء قبل كأس أمم إفريقيا أو خلال الطريق إلى المونديال.
حوار موسى صايب عن حصيلة الجزائر ومستقبل الخضر
طُرح مؤخراً اسم عنتر يحيى لتدريب المنتخب، كما جرى الحديث عن كريم مطمور. أنت تعرفهما جيداً، فهل تراهما مستعدين لهذه المهمة؟
أحبهما كثيراً، وهما من أصدقائي، وأتمنى لهما النجاح. لكن يجب أن نكون جديين، فنحن نتحدث عن المنتخب الوطني الجزائري. هذه مسؤولية لا يمكن منحها لأي شخص، خصوصاً في بلد مثل الجزائر. من وجهة نظري المتواضعة، ورغم ابتعادي عن كرة القدم الاحترافية منذ نحو عشر سنوات، يجب أن يمتلك المدرب خبرة حقيقية في المهنة. هناك مجموعة من اللاعبين يجب إدارتها، وضغط جماهيري هائل يجب التعامل معه، وخطط فنية يجب إعدادها وتنفيذها. لا أقول إنهما غير قادرين، لكن هناك حداً أدنى من الخبرة المطلوبة قبل تولي تدريب المنتخب. من الصعب أيضاً أن تكون لديك المصداقية الكاملة أمام اللاعبين من دون تجربة سابقة في هذا المنصب. وهذا لا يقلل من رغبتهما أو وطنيتهما. يمكن ضمهما إلى الجهاز الفني كمساعدين، نعم، لكن تعيينهما مباشرة كمدربين رئيسيين سيكون سابقاً لأوانه. أما مجيد بوقرة، فهو يمتلك الخبرة. جمال بلماضي عمل مدرباً لسنوات قبل تولي المنتخب، وحتى بيتكوفيتش سبق له تدريب فرق ومنتخبات أخرى.
هل ترى أن مجيد بوقرة بات جاهزاً لقيادة المنتخب الأول، رغم أن تجربته مع منتخب المحليين انتهت بطريقة صعبة؟
في رأيي، هو يستحق تدريب المنتخب. أعتقد أن هدفه منذ البداية هو تولي قيادة المنتخب الأول يوماً ما. وهو أكثر شرعية من بعض الأسماء التي يجري تداولها. بوقرة خاض بالفعل مسابقات دولية كمدرب، من بينها كأس العرب وبطولة إفريقيا للاعبين المحليين، كما يعرف جيداً كيفية إدارة غرفة الملابس.
هل تؤيد عودة جمال بلماضي، رغم الطريقة التي انتهت بها تجربته؟
نعم، تجربته وصلت إلى نهايتها، وكان قد بلغ نهاية دورة كاملة مع المنتخب. لكن انظروا إلى ما نملكه اليوم. يجب أيضاً أن نتذكر وضع المنتخب عند وصوله، وما تمكن من تحقيقه بعد ذلك، خصوصاً التتويج بكأس أمم إفريقيا. في تاريخ الكرة الجزائرية، لم يحقق أي مدرب النتائج نفسها التي حققها بلماضي. منح المنتخب الاستقرار، وهوية في اللعب، وروحاً قتالية قوية. كما كان يملك الخبرة اللازمة، وكان يمتلك المواصفات المناسبة، فضلاً عن كونه جزائرياً. لكنني لا أعرف إن كان سيقبل العودة، خصوصاً بعد الطريقة التي تم بها الاستغناء عنه.
ذكرت أيضاً باتريس بوميل. هل تراه مناسباً لقيادة المنتخب الجزائري؟
لا أعرفه شخصياً، لكنك تشعر بأنه ارتبط بالجزائر، كما يبدو أنه مدرب كفء. تدريب مولودية الجزائر وقيادتها إلى التتويج بالبطولة ليس أمراً سهلاً. كما سبق له العمل مع عدد من المنتخبات الإفريقية. إنه خيار جيد، وقد يكون أقل تكلفة من هيرفي رونار. ربما لا يكون اسماً براقاً، لكننا لا نبحث عن الأسماء البراقة. نحن نبحث عن الفاعلية والنتائج. لكن هناك ورشة أكبر بكثير من مجرد تغيير المدرب. توجد عوامل كثيرة يجب التعامل معها. ما زلنا لا نملك مركزاً وطنياً حقيقياً للتكوين، كما أن مستوى البطولة الجزائرية يبقى متوسطاً جداً. هذا الأمر يؤلمني، لأنني أشعر أننا نكرر الكلام نفسه منذ سنوات. الجزائر تملك الإمكانات والوسائل، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى أشخاص أكفاء يعرفون كيف يستخدمون هذه الإمكانات بالشكل الصحيح.





