خلّف إقصاء المنتخب الجزائري أمام سويسرا في ثمن نهائي كأس العالم صدمة كبيرة لدى الشارع الرياضي الجزائري. ليلة قاسية، واستيقاظ أصعب، وجمهور كان يحلم برؤية الخضر يذهبون بعيدا في البطولة، قبل أن يصطدم بواقع أداء باهت وخروج مؤلم فتح باب الأسئلة على مصراعيه.
لكن كرة القدم لا تتوقف عند الخيبة. بعد كل سقوط، يصبح الفهم أهم من الغضب، والتحليل أكثر ضرورة من الاكتفاء بإلقاء اللوم. ما الذي حدث فعلا فوق أرضية الميدان؟ لماذا ظهر المنتخب بهذه الصورة؟ وأين اختفت القوة الجماعية التي كان الجزائريون ينتظرونها في مباراة فاصلة بهذا الحجم؟
عبد الرحمن رمضان: «هذه كأس العالم يجب أن تكون محفزا لإعادة بناء الكرة الجزائرية»
للإجابة عن هذه الأسئلة، تواصلت Africafoot مع موسى صايب، القائد السابق للمنتخب الجزائري وأحد الأسماء البارزة في تاريخ الكرة الوطنية. بصراحته المعتادة وقراءته الهادئة، وضع صايب يده على مكامن الخلل، دون الذهاب إلى النقد المجاني أو تصفية الحسابات.
في هذا الحوار الحصري، يتحدث صايب عن حصيلة الجزائر في المونديال، الهشاشة الدفاعية، غياب الثوابت التكتيكية، نهاية مرحلة بالنسبة لبعض الركائز، وضرورة فتح الباب أمام الكفاءات المحلية. رسالة واضحة من لاعب سابق يعرف جيدا معنى حمل قميص الخضر.
موسى، كيف تقرأ الصورة التي تركها المنتخب الجزائري بعد هذا الإقصاء أمام سويسرا؟ هل كان الخروج بهذه الطريقة مؤلما؟
موسى صايب: لا أريد أن أحصر التقييم في الشوط الثاني من المباراة الأخيرة فقط. إذا نظرنا إلى المشوار بشكل عام، يمكن القول إن المنتخب الوطني تركنا على جوعنا. المشكلة ليست في الخسارة بحد ذاتها، لأن الهزيمة جزء من كرة القدم، لكن المؤلم هو أننا لم نزعج خصومنا كما يجب.
تركنا المنافسين يلعبون براحة كبيرة. عندما نشاهد منتخبات إفريقية أخرى مثل الرأس الأخضر أو الكونغو أو السنغال، نجد أنها وضعت منافسيها في صعوبات حقيقية. أما نحن، فقد مررنا بجانب الموضوع، تماما كما حدث مع تونس أيضا. بالنظر إلى جودة اللاعبين الموجودين لدينا، فإن عدم تقديم أي شيء تقريبا، مع غياب الحدة والالتزام، أمر محبط جدا. الروح المطلوبة فوق أرضية الميدان لم تكن حاضرة.
هل نتحدث هنا عن فشل تكتيكي، ذهني، أم عن سوء فهم للتعليمات؟ خاصة مع اللعب من دون مهاجم صريح…
موسى صايب: في كرة القدم، إذا لم تكن لديك قاعدة دفاعية صلبة، فمن الطبيعي أن تدفع الثمن. خلال أربع مباريات، تلقينا تسعة أهداف. هذا رقم ثقيل جدا. مع هذا القدر من الهشاشة، لا يمكن أن تطمح للذهاب بعيدا في بطولة مثل كأس العالم.
أما مسألة اللعب من دون مهاجم صريح، فهي تدخل ضمن اختيارات المدرب، وهي اختيارات أجد شخصيا صعوبة في فهمها. في أربع مباريات، لم ندخل بالتشكيلة نفسها. تغيير الخطة والأسماء بشكل مستمر لا يساعد المجموعة على إيجاد الانسجام، والنتائج أكدت ذلك.
في أعلى مستوى، لا مجال للارتجال. المنتخبات الكبيرة تملك هيكلا واضحا وفريقا أساسيا معروفا. عندنا، كان الانطباع أن المدرب، رغم وجوده منذ أكثر من عامين، ما زال يبحث عن التشكيلة المثالية.
هل أخطأت الجزائر بسبب رغبتها في لعب الاستحواذ من دون امتلاك الوسائل البدنية والتكتيكية لذلك، بدل اعتماد كتلة منخفضة أمام سويسرا؟
موسى صايب: الواضح بالنسبة لي أن المنتخب لم يدخل هذا الموعد بالجدية والانضباط المطلوبين. مباراة في ثمن نهائي كأس العالم لا تُلعب بهذه الخفة. سويسرا ليست منتخبا لا يُقهر. مع احترامي الكامل لها، كانت في متناولنا.
لو احترمنا أساسيات كرة القدم، ولو دخلنا اللقاء بالمقاربة المناسبة، أعتقد أننا كنا سنكون مؤهلين الآن. الخروج من الباب الضيق أمام منافس يمكن التعامل معه هو ما يجعل هذه الهزيمة أكثر مرارة.
بالنسبة لركائز تاريخية مثل رياض محرز وعيسى ماندي، يبدو أن صفحة بدأت تُطوى. كيف يمكن إدارة هذا الانتقال إنسانيا داخل المجموعة؟
موسى صايب: قرار التوقف عن اللعب دوليا يبقى دائما قرار اللاعب نفسه. رياض محرز أعلن موقفه، وعيسى ماندي طلب وقتا للتفكير، لكن علينا أن نكون واقعيين: هناك صفحة تُطوى.
هؤلاء اللاعبون قدموا عملا استثنائيا وخدموا المنتخب والبلد لسنوات طويلة. الآن، يجب أن تأخذ مرحلة جديدة مكانها. أنا حزين من أجلهم، لأنني كنت أتمنى أن ينهوا مشوارهم الدولي بصورة أفضل. الخروج بهذه الطريقة لا يليق بما قدموه في مسيرتهم، لكن تعاقب الأجيال جزء طبيعي من كرة القدم.
Voir cette publication sur Instagram
هل يكشف هذا الفشل مشاكل أعمق، مثل غياب التواصل أو سوء إدارة المجموعة، كما في حالة ياسين تيترواي الذي لم يلعب أي دقيقة؟
موسى صايب: لا أعتقد أن الإقصاء يضع التكوين الجزائري كله موضع اتهام، لأن أغلب لاعبينا الدوليين تكوّنوا في أوروبا. بالنسبة لي، الأمر أقرب إلى مشكلة تواصل وربط بين الطاقم الفني واللاعبين.
الآن، يجب القيام بحصيلة موضوعية وطرح الأسئلة الصحيحة: هل اخترنا أفضل العناصر؟ هل لعبنا بأفضل من يملك الجاهزية؟ هل كانت القرارات مناسبة؟
أما بخصوص ياسين تيترواي، فهذه أمور تحدث داخل حياة المجموعة. عندما تستدعي 26 لاعبا، لا يمكن للجميع أن يشاركوا. عادل رامي مثلا توج بطلا للعالم مع فرنسا من دون أن يلعب دقيقة واحدة. المدرب وحده، لأنه يعيش يوميا مع المجموعة، يستطيع تقييم الحالة البدنية والفنية لكل لاعب. طبعا، يمكن النقاش، لكن القرار في النهاية يعود إليه.
هل يجب الدفاع عن الاستقرار مع المدرب الحالي، أم أن الوقت حان لإصلاحات عميقة؟ وهل ينبغي التوجه أكثر نحو الخبرة المحلية؟
موسى صايب: بالنظر إلى الإخفاقات الأخيرة، سواء في كأس إفريقيا أو الآن في كأس العالم، لا يمكن القول إننا نسير في الطريق الصحيح. هذا واضح.
فيما يتعلق بالإدارة الفنية، أنا مع توسيع الطاقم بشكل أكبر. بدل أن نمنح كل المفاتيح لمدرب أجنبي لا يعرف خصوصيات كرة القدم الجزائرية، يجب أن نستند إلى مدربين محليين، مدعومين بمجموعة من الفنيين أصحاب الكفاءة.
يجب ألا ننسى أن كل ألقابنا الكبرى جاءت مع مدربين جزائريين. انظروا إلى نجاح السنغال، وكوت ديفوار، وحتى خيار مصر مع حسام حسن. شخصيا، أنا ضد الاعتماد الآلي والدائم على اللمسة الأجنبية في المنتخب الوطني.
إذا قررت الجزائر الذهاب نحو هذا الخيار المحلي، هل ستكون مستعدا لمساعدة المنتخب بطريقة أو بأخرى؟
موسى صايب: الصفحة لا تُطوى أبدا بالنسبة لمن يحبون هذا البلد. أنا لا أطالب بأي منصب، ولا أبحث عن موقع لنفسي. لكن من الواضح أن كل أصحاب النوايا الحسنة، وكل اللاعبين السابقين الذين يعرفون كرة القدم الجزائرية من الداخل، يجب أن يكون لهم دور.
الأهم هو منح المسؤولية لفني محلي، والثقة فيه بشكل حقيقي، ومساعدته على النجاح من خلال توفير محيط مناسب، لا أن نزيد مهمته تعقيدا. إذا اخترنا هذا الطريق، فيجب أن نذهب فيه بجدية، لا بنصف قناعة.





