كبرت حكاية ياسين تيطراوي بهدوء. خرج من مدرسة بارادو بموهبة واضحة، ثم احتاج إلى اختبار آخر خارج الجزائر حتى يثبت أن ما كان يقدمه لم يكن مجرد وعود مبكرة. اليوم، وهو في الثانية والعشرين من عمره، يستعد لخوض كأس العالم مع المنتخب الجزائري، بعدما فرض نفسه في بلجيكا وانتظر اللحظة التي يمنحه فيها فلاديمير بيتكوفيتش مكاناً داخل مجموعة شديدة التنافس، حتى لو جاء ذلك على حساب أسماء ثقيلة مثل إسماعيل بن ناصر وآدم زرقان.
موهبة التقطها مارتينز مبكراً
كورنتين مارتينز، مدربه السابق في بارادو خلال موسم 2023-2024 والناخب الحالي لمدغشقر، لم يُفاجأ بوصوله إلى هذا المستوى. في حديث حصري مع Africa Foot، يستعيد أول ما شدّه في اللاعب، قائلاً إن تيطراوي “كان يملك الكثير من الصفات”، قبل أن يتوقف عند الجانب الإنساني والذهني: “فهو شخص خلوق، ويتمتع بعقلية احترافية عالية، كما عُرف بجديته الكبيرة والتزامه في العمل”.
وعند الحديث عن الملعب، يوضح مارتينز أن اللاعب كان يحمل أدوات لاعب وسط متكامل: “كان يملك جودة تقنية لافتة، وحجم لعب كبيراً، وتسديدة جيدة. لا يرتبك تحت الضغط، ويعرف كيف يجد زوايا تمرير مناسبة”. من هنا يمكن فهم سبب بقاء اسمه حاضراً في النقاش الجزائري طوال السنوات الماضية. تيطراوي لم يكن لاعب لقطة عابرة، بل لاعباً قادراً على ربط الخطوط، التحرك باستمرار، والخروج بالكرة حين تضيق المساحات.
ياسين تيطراوي يرسل رسالة نارية إلى بيتكوفيتش
خارج بارادو بدأ الامتحان الحقيقي
لكن مارتينز لا يختزل تطور تيطراوي في الموهبة وحدها. في نظره، كانت الخطوة الأهم هي خروجه من البيئة التي يعرفها جيداً. يقول: “كان يجب أن نراه في سياق آخر. في بارادو، كان يلعب مع أصدقاء التكوين، ومع لاعبين يعرفهم منذ سنوات. بعد ذلك، كان عليه أن يثبت نفسه في محيط مختلف، مع لاعبين آخرين. وهذا ما فعله خلال آخر سنتين أو ثلاث”.
ثم يضيف مارتينز عبارة تكشف حجم ثقته القديمة في اللاعب: “الصفات كانت موجودة. تحدثت عنه حتى مع نادٍ مثل أوكسير، لأنني كنت أعرف أنه يملك ما يكفي للعب بانتظام في الدوري الفرنسي. ذهب إلى بلجيكا، وهذا كان خياراً جيداً”. تجربة شارلروا منحته ما كان يحتاج إليه: وقت لعب، احتكاك، مسؤولية، وبيئة أوروبية لا تمنح الهدايا. هناك، بدأ يخرج من خانة المشروع الواعد إلى خانة اللاعب الجاهز للمنافسة الدولية.
لاعب يصغي… ثم يطبق
في كرة القدم الدولية، لا تكفي الجودة الفنية وحدها. بيتكوفيتش يحتاج إلى لاعبين يفهمون التعليمات، يقبلون الأدوار، ويندمجون بسرعة داخل مجموعة لا تملك وقتاً طويلاً قبل المونديال. هنا تبدو شهادة مارتينز شديدة الدلالة. يقول عن تيطراوي: “بالنسبة إلى أي مدرب، هو لاعب مثالي. يصغي جيداً للتعليمات ويطبقها بانضباط. محترف، منضبط في مواعيده، ولا يمكنني أن أقول عنه إلا أشياء جيدة. لم أره يوماً يقلل الاحترام لمدربيه أو زملائه”.
هذه الصفات قد تكون جزءاً من تفسير صعوده الأخير في المنتخب. المسألة لا تتعلق فقط بما يفعله بالكرة، بل أيضاً بما يقدمه في الحياة اليومية للمجموعة. لاعب في هذا العمر، يدخل أجواء كأس العالم وسط أسماء أكثر خبرة، يحتاج إلى هذا القدر من الجدية حتى لا يبقى مجرد موهبة إضافية في القائمة.
أي دور ينتظره مع الجزائر؟
مارتينز يحدد مركزه بوضوح: “هو أقرب إلى لاعب رقم 8. جعلته يلعب حتى كرقم 10 عندما كنت مدرباً لبارادو، وسجل الكثير من الأهداف في تلك الفترة”. هذا التوصيف مهم. تيطراوي ليس لاعب ارتكاز تقليدياً، ولا صانع لعب ثابتاً خلف المهاجم. هو لاعب وسط متحرك، قادر على الضغط، الربط، التقدم، والوصول إلى مناطق التسجيل عندما تسمح له ظروف المباراة.
وعن تراجع أرقامه التهديفية مقارنة بفترة بارادو، لا يرى مارتينز أن ذلك يمس جوهر إمكاناته. يقول: “إنه لاعب متكامل، قادر على التسجيل من قريب ومن بعيد، ويملك توقيتاً جيداً”. ثم يقدم مقارنة لافتة: “أرى أن أسلوبه قريب من جواو نيفيش في باريس سان جيرمان. لديه إمكانات كبيرة، ويمكنه التسجيل وصناعة الأهداف، لأنه يملك جودة تمرير ممتازة”.
هذه المقارنة لا تعني أن تيطراوي بلغ ذلك المستوى، لكنها تكشف نوع اللاعب الذي يراه مارتينز فيه: لاعب وسط حديث، نشيط، لا يخشى الضغط، ويعرف كيف يتحرك بين الخطوط. بالنسبة للجزائر، قد يكون هذا النوع من اللاعبين ثميناً في مباريات تحتاج إلى خروج نظيف بالكرة، لا إلى كرات طويلة فقط أو انتظار لحظة فردية.
المونديال أولاً… ثم اختيار الطريق
قصة تيطراوي لا تتوقف عند المنتخب. اسمه بدأ يرتبط بأندية أكبر، بينها أولمبيك مارسيليا، في انتقال محتمل قد يمثل قفزة جديدة بعد شارلروا. مارتينز يتعامل مع الفكرة بكثير من الحذر: “الدوري البلجيكي بطولة جيدة، وتتابعه كثيراً الأندية الألمانية والإنجليزية، وهذا يعني أن هناك جودة”. ثم يضيف: “أما مارسيليا، فبالنسبة إلى أي لاعب، فرنسياً كان أو جزائرياً أو برتغالياً، هو مكان صعب جداً لفرض النفس. إنه نادٍ متطلب، لا يمنح الهدايا. النجاح هناك يحتاج إلى قوة شخصية كبيرة”.
هذا التنبيه لا يغلق الباب أمام مارسيليا، لكنه يضع التحدي في حجمه الحقيقي. تيطراوي يملك الأدوات، غير أن الخطوة المقبلة تحتاج إلى مشروع يمنحه الاستمرارية قبل أي شيء آخر. في الوقت الحالي، تبدو الأولوية أوضح: كأس العالم مع الجزائر. اللاعب الذي انتظر فرصته طويلاً حصل عليها أخيراً، وفي بطولة قادرة على تغيير مساره بالكامل. وإذا أحسن استغلالها، فلن يبقى الحديث عن وعد قديم من بارادو، بل عن لاعب بدأ فعلاً امتحانه الكبير.





