لم تكن حكاية رياض محرز أمام الأرجنتين مجرد قرار فني عابر. قبل المباراة، كان النقاش يميل إلى وضعه جانباً بعد عروض ودية لم تقنع الجميع، وارتفعت أصوات طالبت بمنح أنيس حاج موسى فرصة البداية بحثاً عن السرعة والحيوية. فعل فلاديمير بيتكوفيتش ذلك، لكن الهزيمة أمام الأرجنتين فتحت الباب لسؤال معاكس تماماً: هل خسرت الجزائر أكثر مما كسبت حين أبقت قائدها خارج التشكيلة الأساسية؟
رياض محرز وغياب أثقل من المتوقع
في كرة القدم، تتغير الأحكام بسرعة، وأحياناً بقسوة. اللاعب الذي طُلبت إراحته قبل أيام صار حضوره اليوم مطلباً شبه جماعي. ليس لأن محرز عاد فجأة إلى سنواته الأولى في مانشستر سيتي، ولا لأن المنتخب يجب أن يعيش على الماضي، بل لأن مباراة الأرجنتين أظهرت قيمة أشياء لا تقاس فقط بالركض: التحكم في النسق، تهدئة اللعب، اختيار اللحظة، وامتلاك شخصية قادرة على جمع الفريق حين يضيق الملعب.
رياض محرز يوجه رسالة قوية بعد صدمة الأرجنتين
شريف وجاني، الدولي الجزائري السابق، لخّص هذه الفكرة في حديثه لـAfricafoot حين قال إن محرز “يبقى ثميناً، سواء لعب أساسياً أو لم يلعب”. بالنسبة إليه، المسألة لا تتعلق فقط بالدقائق، بل بالحضور داخل المجموعة. وأضاف: “مثل لوكاكو مع بلجيكا، هؤلاء اللاعبون، إذا كانوا قادة إيجابيين، يكونون مفيدين جداً للفريق”. ثم ذهب إلى نقطة جوهرية: “الشباب الذين يصلون ينظرون إلى محرز كلاعب استثنائي، وما سيقوله في لحظة معينة يبقى مهماً جداً، ويجب أن يكون دليلاً أو حلقة وصل مع المدرب”.
هذا البعد ظهر أيضاً في طريقة تعامله مع جلوسه على مقاعد البدلاء. كان بإمكان محرز أن يرسل إشارات غضب، أو أن يحوّل القرار إلى جرح شخصي في توقيت حساس. لكنه تصرف كقائد. بقي داخل المجموعة، حافظ على هدوئه، ثم نشر بعد الخسارة رسالة تدعو إلى الاتحاد والإيمان ببقية الطريق. في بطولة قصيرة، وفي منتخب خرج من ضربة ثقيلة أمام بطل العالم، هذا السلوك ليس تفصيلاً. أحياناً يحتاج الفريق إلى قائد قبل أن يحتاج إلى جناح أيمن.
Voir cette publication sur Instagram
أمام الأردن… عودة محرز تبدو منطقية
لخضر عجالي كان أكثر مباشرة في تقييمه. قال : “يجب إعادة محرز، لأن حاج موسى تبيّن أنه جوكر جيد جداً ويفعل أشياء ممتازة عند دخوله من الدكة، لكن أساسياً الأمر أكثر تعقيداً”. هذه العبارة لا تنزع قيمة حاج موسى، لكنها تضعه في إطاره الحالي. بعض اللاعبين يملكون تأثيراً أقوى حين يدخلون في مساحات مفتوحة، ضد دفاع بدأ يفقد طاقته، لا حين يتحملون منذ الدقيقة الأولى مسؤولية قيادة طرف كامل في مباراة بهذا الحجم.
عجالي ذهب أبعد من ذلك حين قارن الفكرة بما يقدمه ليونيل ميسي. قال إن حضور ميسي، “حتى لو كان كائناً استثنائياً”، لا يقوم اليوم على الإنفاق البدني الكبير، بل على الأداء الذهني والفعالية في اللحظات الحاسمة. والمقصود واضح: محرز قد لا يملك اليوم نفس القدرة على تكرار الجهود كما في السابق، لكنه ما زال قادراً على قراءة اللعب وتنظيف الهجمة ومنح زملائه مرجعاً فنياً. وأضاف عجالي: “نحن نحتاج إلى شخص يؤطر اللاعبين. محرز يملك هذا البروفايل، خصوصاً إذا كانت لديه الأرجل للرد، وأمام الأردن لا يفترض أن يكون ذلك مشكلة”.
جان ميشال كافالي، المدرب الأسبق للمنتخب الجزائري، دافع بدوره عن الفكرة نفسها. قال لـAfricafoot: “لا يوجد أدنى شك في أن محرز لا يزال مهماً جداً للمنتخب الجزائري”. وذكّر بأن دخوله أمام الأرجنتين “جعل المنافس يتراجع”، وأن الخصوم كانوا أكثر انتباهاً كلما لمس الكرة، “لأن محرز ليس أي لاعب”. ثم استخدم كافالي مثال ميسي أيضاً، معتبراً أن النجم الأرجنتيني “لعب وهو يمشي، ولم يسرّع إلا عندما كان يجب أن يكون حاسماً”. بالنسبة إليه، لا يمكن محاسبة محرز فقط بمنطق الجري، طالما أن لاعبين أكبر سناً ما زالوا يؤثرون بذكائهم وخبرتهم.
كافالي ختم موقفه بوضوح أكبر: “محرز في نهاية مسيرته، وهذه آخر كأس عالم له. لقد خدم الجزائر بطريقة جميلة، ولم يعد لديه ما يثبته”. وأضاف أنه كان سيكون “عوناً مهماً” أمام الأرجنتين لو بدأ أساسياً، لأنه كان سيمنح الفريق خبرته، “ويضع قدمه على الكرة”، وربما ينقل الرسائل داخل الملعب في اللحظات الصعبة. الجملة الأهم جاءت في النهاية: “بالنسبة لي، لا يزال لا غنى عنه”. بعد خسارة أولى مؤلمة، وقبل مواجهة الأردن التي لا تقبل كثيراً من الحسابات، تبدو عودة محرز إلى التشكيلة أقل شبهاً بالمجاملة وأكثر قرباً من الضرورة. الجزائر تحتاج إلى ردة فعل، وإلى لاعبين يتحملون ثقل اللحظة. وفي هذا النوع من المباريات، ما زال قائدها يملك ما يقوله.





