خرج المنتخب الجزائري من مباراة الأرجنتين بجرح أكبر من النتيجة. الهزيمة بثلاثية أمام بطل العالم يمكن تفسيرها بفارق الجودة، وبحضور ليونيل ميسي، وبقسوة التفاصيل في المستوى العالي. لكن بالنسبة لرزقي عمروش، الدولي الجزائري السابق وصاحب 34 مباراة دولية بين 1992 و2000، فإن ما حدث يذهب أبعد من ذلك. في حديثه إلى Africa Foot، لم يخف مدرب اتحاد البليدة ومولودية بجاية السابق غضبه من صورة المنتخب، معتبراً أن الخلل لم يكن فنياً فقط، بل مسّ الشخصية، القيادة، والقدرة على تمثيل وزن القميص.
رزقي عمروش ينتقد غياب القيادة في منتخب الجزائر
أكثر ما يقلق عمروش هو غياب “الرجل القوي” داخل المجموعة. يقول بوضوح: «ليس لدينا قائد في المنتخب الوطني. حتى محرز لم يعد كذلك، بل لم يكن كذلك أصلاً. وماندي أقل من ذلك». الحكم قاس، لكنه يكشف جوهر قراءته للمباراة. بالنسبة إليه، الجزائر لا تفتقد فقط إلى لاعب يرفع صوته، بل إلى شخصية قادرة على شد المجموعة، تهدئة اللحظات الصعبة، وفرض الانضباط حين يبدأ الفريق في التفكك.
جمال بن العمري يهز ماندي وبن سبعيني بعد سقوط الأرجنتين
من هنا يأتي تأسفه على غياب بغداد بونجاح. فالمهاجم المستبعد من القائمة لا يمثل عنده مجرد خيار هجومي بديل، بل شخصية كان يمكن أن تمنح الفريق شيئاً مختلفاً. ويقول عمروش: «كيف أخرجنا بونجاح ونحن لا نملك بديلاً له في الفريق، لا في مركزه ولا كقائد؟ قيل إن سلوكه كان سيئاً، لكن يجب أن نعرف لماذا أصبح كذلك. ليس بين يوم وليلة يتحول لاعب إلى مشاغب. لقد أعطى الكثير للمنتخب، وكان يستحق أن يلعب». خلف هذه الكلمات توجد فكرة واضحة: المنتخب خسر لاعباً مثيراً للجدل، قوياً، وصاحب حضور داخل المجموعة.
مباراة الأرجنتين كشفت اختلالاً أعمق
تحليل عمروش للمواجهة لا يترك مساحة كبيرة للتخفيف. يقول إن الهزيمة “صدمته”، ليس فقط بسبب النتيجة، بل بسبب المردود العام. ويضيف: «ارتكبنا أخطاء، والمستوى العالي لا يرحم. على الخطوط الثلاثة، كان هناك اختلال كامل. مساحات كثيرة عندما لا نملك الكرة». بالنسبة إليه، المؤشرات لم تظهر فجأة أمام الأرجنتين، بل كانت موجودة في الودية أمام هولندا، رغم أن الفوز حينها أخفى كثيراً من العيوب.
بعد صدمة الأرجنتين… الجزائر تكتشف من جديد قيمة محرز
ويذهب أبعد من ذلك حين يقول: «لو كان لدى الهولنديين ميسي، لخسرنا بخمسة أو ستة أهداف». العبارة شديدة، لكنها تختصر قناعته بأن الخلل البنيوي كان واضحاً منذ فترة. محور الدفاع والوسط، في نظره، أظهرا الكثير من التراخي والارتباك، قبل أن يأتي لاعب بحجم ميسي ويعاقب كل متر تُرك له. لذلك لا يفهم عمروش كيف لم يخضع قائد الأرجنتين لرقابة أكثر صرامة، قائلاً: «لا أفهم كيف تركنا كل هذه الحرية لميسي. لماذا لم يكن هناك مراقبة لصيقة عليه؟».
الأقسى في كلام عمروش أنه لا يكتفي بالشق التكتيكي. بالنسبة إليه، الجزائر بدت بلا شراسة كافية. يقول: «في المقابل، كان هناك لاعبون حقيقيون، مصممون ومحفزون. نحن بدونا خجولين جداً. لا كثافة، لا التزام، لا شيء». وفي مقارنة جارحة، يرى أن “فريقاً محلياً من الجزائر” لم يكن ليظهر بذلك الوجه، لأن المشكلة، في رأيه، كانت في الموقف قبل الأسماء. اللاعب الوحيد الذي استثناه تقريباً هو رامي بن سبعيني، قائلاً: «اللاعب الوحيد العدواني فعلاً والذي يملك الروح القتالية هو رامي بن سبعيني، وربما لهذا لعب أمام الأرجنتين».
Voir cette publication sur Instagram
الأردن اختبار شخصية قبل أن يكون مباراة تأهل
قبل مواجهة الأردن، لا يعتقد عمروش أن التصحيح يجب أن يبدأ من الرسم التكتيكي فقط. المطلوب، أولاً، هو رد فعل ذهني. يقول: «ما يجب إصلاحه أمام الأردن هو الحالة الذهنية. إذا لم تظهر الموقف الصحيح، يمكنك أن تخسر حتى أمام فريق هاوٍ». هنا يضع الدولي السابق يده على أكثر ما يخشاه الجمهور الجزائري: أن تتحول الخسارة أمام الأرجنتين إلى بداية انهيار نفسي، لا مجرد درس قاس في بداية البطولة.
ويضيف عمروش أن اللاعبين مطالبون بتذكر ما يمثلونه: «يبدو أنهم غير واعين بأنهم يمثلون بلداً و50 مليون نسمة. يجب أن يعيدوا تعبئة أنفسهم ويتذكروا أنهم يلعبون لأمة وشعب. إذا لم نصحح ذلك، حتى الأردن يمكن أن يهزمنا. هم يملكون هذا الاعتزاز». هذه الجملة تختصر رؤيته للمباراة القادمة. الأردن ليس مجرد خصم أقل من الأرجنتين على الورق، بل اختبار لمعرفة ما إذا كانت الجزائر قادرة على استعادة كبريائها.
الجزائر: بيتكوفيتش يجدد ثقته في لوكا زيدان
جانب آخر يثير قلق عمروش هو غياب القوة البدنية في بعض المراكز، خصوصاً في الوسط. يقول: «نفتقد إلى لاعبين أقوياء بدنياً، مثل عدلان قديورة، خاصة في خط الوسط. لاعبين يفرضون حضورهم بقامتهم». وهو يدرك أن البنية الجسدية لا تكفي وحدها لصنع فريق قوي، لكنها في مباريات كأس العالم قد تمنح الهيبة، الصلابة، والقدرة على كسب الصراعات. بالنسبة إليه، المنتخب الحالي يفتقد إلى ذلك المزيج بين الشراسة والقيادة.
في النهاية، لا يهاجم رزقي عمروش المدرب بقدر ما يضع اللاعبين أمام مسؤولياتهم. ما يقلقه ليس فقط خسارة مباراة، بل صورة منتخب بدا بلا قائد واضح، بلا كتلة متماسكة، وبلا تلك القبضة التي تصنع الفرق في اللحظات الصعبة. أمام الأردن، لن تكون الجزائر مطالبة بالفوز فقط، بل بإثبات أنها ما زالت فريقاً قادراً على الرد. الهزيمة أمام الأرجنتين يمكن تجاوزها حسابياً. أما غياب الشخصية، فإن استمر، فقد يكون أكثر خطورة من أي نتيجة.





