لا تُختصر مواجهة الأرجنتين في سؤال بسيط حول ضرورة الهجوم أو الدفاع. فمنتخب الجزائر سيكون أمام بطل العالم، بترسانته الهجومية وخبرته الكبيرة وقدرته على معاقبة أي خطأ، لكنه سيدخل أيضاً مباراة لا يملك فيها ما يخسره. الحذر يبدو منطقياً، غير أن التراجع المبالغ فيه قد يمنح ليونيل ميسي ورفاقه الوقت والمساحات لفرض إيقاعهم. وفي المقابل، لا تعني الجرأة الاندفاع بلا حساب. المعادلة الحقيقية تكمن في تقديم مباراة منضبطة، دون أن يفقد الخضر هويتهم أو يتحول احترام المنافس إلى خوف منه.
احترام الأرجنتين لا يعني انتظارها
هنا تلتقي رؤية مهدي مصطفى مع قراءة شعبان مرزقان، رغم اختلاف التجربتين والسياقين. الأول عاش مواجهة قريبة من هذا النوع أمام ألمانيا في مونديال 2014، والثاني كان أحد أبطال الانتصار التاريخي على ألمانيا الغربية عام 1982. كلاهما يرفض أن تُبنى الخطة الجزائرية بالكامل على ما تستطيع الأرجنتين فعله. يقول مرزقان: «لا ينبغي أن نلعب فقط وفق نقاط قوة المنافس، بل علينا محاولة فرض أسلوبنا»، بينما يصر مهدي مصطفى على ضرورة البقاء ضمن طابع المنتخب الجزائري، من خلال الضغط والانتقال السريع وإضافة «لمسة من الجنون». الفكرة المشتركة واضحة: احترام بطل العالم واجب، لكن منحه السيطرة منذ البداية سيكون بمثابة تنازل مبكر عن فرصة صناعة المفاجأة.
(خاص) عبد الرؤوف زرابي: «أمام الأرجنتين.. لنلعب بأسلوبنا»
غير أن فرض الأسلوب لا يعني بالضرورة الاستحواذ أو رفع عدد اللاعبين في الهجوم. الجزائر تستطيع أن تكون جريئة وهي تدافع، بشرط أن يكون دفاعها نشطاً لا سلبياً. التعادل الذي حققه الرأس الأخضر أمام إسبانيا قدم نموذجاً للكتلة المتماسكة والتضامن والوعي بالإمكانات، بينما أظهر المغرب أمام البرازيل وجهاً مختلفاً، قائماً على الثقة والقدرة على الخروج بالكرة ومواجهة المنافس دون عقدة نقص. لا يمكن نسخ أي من التجربتين، لأن لكل منتخب خصائصه، لكن الخضر يستطيعون أخذ أهم عنصر منهما: الانضباط من الأولى، والشخصية من الثانية. المطلوب ليس انتظار الأرجنتين قرب منطقة الجزاء، بل الضغط في الأوقات المناسبة، إغلاق العمق ثم استغلال سرعة المهاجمين فور استرجاع الكرة.
Voir cette publication sur Instagram
غياب الضغط قد يحرر أقدام اللاعبين
العامل الذهني قد يكون أكثر أهمية من الرسم التكتيكي نفسه. محمود قندوز يذكّر بأن الأرجنتين خسرت مباراتها الافتتاحية أمام السعودية في مونديال 2022، قبل أن تتجاوز الصدمة وتمضي نحو اللقب. تلك النتيجة تؤكد إمكانية إسقاط المنتخبات الكبرى، لكنها تكشف أيضاً أن الفوز في الجولة الأولى لا يضمن التأهل، مثلما لا تعني الهزيمة نهاية المشوار. ويشدد قندوز لذلك على أن هذه المواجهة «يجب أن تُحضّر ذهنياً»، لأن الخطر الأكبر يكمن في دخولها بشعور مسبق بأن تفادي الخسارة سيكون إنجازاً في حد ذاته.
هذا البعد النفسي يلتقي مع حديث عمر بلباي، الذي يرى أن حسابات التأهل الحقيقية لن تتوقف عند لقاء الأرجنتين، بل ستستمر أمام النمسا والأردن. ويقول الدولي السابق: «التأهل لن يُحسم في هذه المباراة. على اللاعبين أن يلعبوا متحررين، وأي نتيجة إيجابية ستكون مكسباً كبيراً». وقد تتحول هذه الحقيقة إلى أفضل سلاح جزائري. فعندما لا تكون الهزيمة مرادفة للإقصاء، يصبح بالإمكان المجازفة بدرجة أكبر، والتعامل مع المباراة كفرصة لا كتهديد. لكن هذا لا يعني التقليل من أهميتها، لأن نتيجة إيجابية قد تمنح المجموعة ثقة هائلة وتغيِّر ميزان المنافسة داخل المجموعة منذ الجولة الأولى.
صالح عصاد: لا يجب الخسارة أمام الأرجنتين
قد تراهن الجزائر أيضاً على لحظة تردد لدى المنافس. مهدي مصطفى لا يستبعد أن يدخل الأرجنتينيون اللقاء بشيء من الثقة الزائدة أو بتركيز غير مكتمل، ولذلك يدعو الخضر إلى «مهاجمتهم بقوة» وعدم الوقوف في موقع المتفرج. وتنسجم هذه الفكرة مع استحضار مرزقان لمباراة 2007، حين واجهت الجزائر الأرجنتين بندية وخسرت بصعوبة 4-3. اللاعبون الجزائريون اليوم ينشطون بدورهم في مستويات أوروبية مرتفعة، ويملكون ما يكفي من الجودة للرد بدنياً وفنياً، لكن بشرط أن يؤمنوا بذلك منذ الدقيقة الأولى.
الخطة الأنسب لا تقوم إذن على الاختيار بين الحذر والجرأة، بل على الجمع بينهما. يحتاج الخضر إلى دفاع متقارب، رقابة جماعية لميسي، ضغط منظم وهجمات سريعة، مع تجنب فقدان الكرة في مناطق خطرة. عليهم أن يحترموا الأرجنتين دون أن يهابوا اسمها، وأن يلعبوا بثقة دون أن يفقدوا توازنهم. السعودية أثبتت في 2022 أن المفاجأة ممكنة، لكن تكرارها يمر عبر أداء شبه مثالي. أمام بطل العالم، قد تكون الشجاعة نقطة البداية، إلا أن الانضباط والجاهزية الذهنية وحسن استغلال اللحظات هي التي ستحدد إن كانت الجزائر ستكتفي بمقاومة الأرجنتين أم ستكتب واحدة من أكبر مفاجآت المونديال.





