لم يكن رياض محرز في حاجة إلى هدف أنيس حاج موسى أمام هولندا حتى يدخل دائرة النقاش. الجدل كان قائماً من قبل، لكن ما حدث في روتردام منحه زخماً جديداً. الجزائر فازت بهدف رائع لجناح فينورد، وخرجت شريحة واسعة من الجمهور بانطباع واضح: في مواجهة الأرجنتين، قد تحتاج “الخضر” إلى لاعب أكثر سرعة، أكثر مباشرة، وأكثر قدرة على استغلال المساحات. في المقابل، هناك قائد اسمه محرز، صاحب تاريخ ثقيل، وواحد من أعظم من حملوا القميص الجزائري. وهنا يبدأ السؤال الصعب: هل يجب أن يبدأ كأس العالم أساسياً؟
محرز بين الرصيد والتوقيت
في سن الخامسة والثلاثين، لم يعد محرز اللاعب نفسه الذي كان يربك دفاعات الدوري الإنجليزي مع مانشستر سيتي. الموهبة لم تختف، والقدم اليسرى ما زالت قادرة على صنع الفارق في لقطة واحدة، لكن الإيقاع تغيّر. لم يعد يراوغ بالحدة نفسها، ولا يخلق الفوارق بنفس الوتيرة، حتى إن كان ما زال يبذل جهداً دفاعياً ويتراجع لمساعدة الفريق. المشكلة ليست في الرغبة، بل في القدرة على أداء دور جناح حاسم خلال 90 دقيقة في مباراة من حجم الأرجنتين.
مجاني: وجود محرز وماندي وبن طالب أساسي للجزائر
مهدي مصطفى، الدولي الجزائري السابق وصاحب تجربة مونديال 2014، يقترب من الملف بكثير من الاحترام. في حديث حصري مع Africa Foot، يقول: “لا أعرف إن كنت سأكون موضوعياً، لأن رياض بالنسبة إلي شخص أكن له إعجاباً كبيراً. عندما جاء إلى كأس العالم، كان لا يملك أي مباراة دولية، وكان شاباً صغيراً. تحدثنا معه كثيراً، ثم حقّق المسيرة التي صنعها، بالألقاب والأندية الكبيرة”. قبل أن يضيف الفكرة الأهم: “أعتقد أن أول المعنيين يعرف أن الناس يقولون إنه يقترب من النهاية. هو يعرف أن هناك شباباً يظهرون بقوة”.
حاج موسى يغير الحسابات
أنيس حاج موسى لم يختر التوقيت الأسهل كي يطرق الباب. دخل أمام هولندا، سجل هدفاً رائعاً، ومنح الجزائر فوزاً معنوياً على أرض أوروبية. هذا النوع من اللحظات لا يصنع وحده تشكيلة كأس العالم، لكنه يغيّر المزاج العام. عمر بلباي، الدولي الجزائري السابق، لا يخفي حماسه تجاهه: “حاج موسى يملك صفات كبيرة. أحب هذا اللاعب. كرة القدم في دمه، وأعتقد أنه سيكون أحد قادة المنتخب مستقبلاً مع إبراهيم مازة”.
بلباي يذهب أبعد من الإعجاب، ويضع قاعدة بسيطة: “قلت دائماً إن من يستحق اللعب، يلعب. إذا كان الشاب في حالة أفضل ويمنح الفريق أكثر، فيجب أن يلعب الشاب. لا يوجد نقاش في ذلك”. ثم يوضح أنه لا يريد أن يحسم قرار المدرب، قبل أن يقول بوضوح: “بالنسبة إلي، كلاعب سابق، حاج موسى يستحق أن يبدأ المنافسة أساسياً”.
Voir cette publication sur Instagram
ذكاء القائد أم كبرياء البطل؟
بالنسبة إلى محرز، لا يتعلق الأمر فقط بمقعد على الدكة. الحديث يمس كبرياء قائد، لاعب عاش سنوات طويلة كنجم أول للمنتخب، وقاد الجزائر في محطات كثيرة. مصطفى يدرك هذه الحساسية، لكنه يعتقد أن محرز يملك ما يكفي من الذكاء لفهم اللحظة. يقول: “يبقى منافساً، يريد أن يكون في الملعب ويلعب المباريات. لكن إذا شعر بأنه متعب، أو بأن الفريق يتضرر، أو بأن شاباً مثل حاج موسى يستطيع إضافة شيء، أعتقد أنه لن يتردد في قول ذلك”.
هذه الفكرة تفتح باباً مهماً. ربما لا يكون النقاش الحقيقي بين محرز وحاج موسى، بل حول طريقة استخدام محرز. هل يبدأ ثم يخرج؟ أم يدخل حين تنخفض شدة المباراة ويصبح قادراً على استغلال خبرته وجودته في اللمسة الأخيرة؟ مصطفى يرى أن “محرز يملك الذكاء للتكيف”، وأنه قادر على قبول قرار لا يخدم غروره، إذا كان يخدم المنتخب.
قرار بيتكوفيتش على الحد الفاصل
فلاديمير بيتكوفيتش بنى خطابه الأخير على الجدارة لا على الأسماء. استبعاد بغداد بونجاح من القائمة كان رسالة أولى. وضع محرز أمام منافسة حقيقية مع حاج موسى قد يكون الرسالة الثانية. المدرب السويسري يعرف أن إشراك القائد أساسياً قد يمنحه هدوءاً وخبرة في بداية مباراة صعبة. لكنه يعرف أيضاً أن الأرجنتين لا تترك وقتاً طويلاً لمن يحتاج إلى الإيقاع كي يدخل اللقاء.
رياض محرز… القائد الذي قد يبدأ من مقاعد البدلاء
الخيار سيكون شائكاً. إذا بدأ محرز ولم ينجح، سيُقال إن بيتكوفيتش جامل التاريخ. وإذا بدأ حاج موسى وتعثر، سيُقال إنه تسرع وأبعد القائد في أهم موعد. لا يوجد قرار بلا مخاطرة. لكن المؤكد أن مكانة محرز لم تعد مطلقة، وأن هدف حاج موسى في روتردام جعل السؤال أكثر إلحاحاً.
في النهاية، قد لا يكون جلوس محرز احتياطياً إهانة له، بل شكلاً آخر من أشكال النضج. كبار اللاعبين لا يتركون أثرهم فقط حين يبدأون المباريات، بل حين يعرفون كيف يخدمون الفريق في الدور الذي تحتاجه اللحظة. أمام الأرجنتين، ستظهر أول إجابة. هل يختار بيتكوفيتش ذاكرة محرز أم اندفاع حاج موسى؟ أياً كان القرار، سيقول الكثير عن الجزائر التي يريدها في هذا المونديال.





