في زمن أصبح فيه المنتخب الجزائري يملك ظروفاً أفضل، ومركز تحضير، وطاقماً واسعاً، ولاعبين ينشطون في دوريات كبرى، عاد عمر بلباي إلى ما هو أعمق من التحليل الفني. الدولي الجزائري السابق، في حوار خاص مع Africa Foot، لم يرد أن يعطي درساً للاعبي الجيل الحالي، لكنه وضع أمامهم مرآة التاريخ. بالنسبة إليه، كأس العالم لا تُلعب بالموهبة وحدها. هناك شيء آخر يجب أن يحضر عندما يرتدي اللاعب قميص الجزائر: التضحية، الصدق، والإحساس بأن هذا القميص لا يُلبس مثل أي قميص آخر.
بلباي يستحضر روح فريق جبهة التحرير
قال بلباي بوضوح: “عندما تأتي للعب مع المنتخب الوطني، سواء في بداية الستينيات مع فريق جبهة التحرير، فإن الروح تبقى نفسها. هم من سبقونا وفتحوا لنا الطريق. نأتي للعب من أجل القميص، نعطي كل شيء ولا نغش”. هذه العبارة تختصر جوهر رسالته. ليس المقصود أن يعيش لاعب اليوم بظروف الأمس، ولا أن يُطلب منه ما لا يُطلب من غيره، بل أن يفهم أن تاريخ الجزائر الكروي بُني على رجال دفعوا ثمناً شخصياً حتى يُرفع العلم.
القائد أم الشاب الصاعد؟ الجزائر أمام معادلة محرز وحاج موسى
يتحدث بلباي عن فريق جبهة التحرير بكثير من الاحترام. يقول إنه عاد مؤخراً ليشاهد قصته، وكيف أن لاعبيه “ضحوا بحياتهم ورياضتهم، رغم أنهم كانوا محترفين معروفين”. ثم يضيف: “ما فعلوه لا يُقدّر بثمن. إنه شرف ومثال، ويجب أن نذكر هذه الأشياء”. هنا لا يبدو الكلام خطاباً عاطفياً محفوظاً، بل قناعة عاشها الرجل على طريقته. هو نفسه كان من جيل جاء إلى المنتخب في ظروف صعبة، أحياناً بوسائله الخاصة، وفي مرحلة كان فيها البلد يبحث عن لحظات فرح نادرة وسط سنوات قاسية.
يقول بلباي عن تلك الفترة: “في نهاية التسعينيات وبداية الألفية، لم تكن الوضعية العامة في البلد جيدة إطلاقاً. ومع ذلك، كنا نحن اللاعبين مطالبين بالقدوم. كان ذلك واجباً”. ثم يعود إلى طفولته ليشرح أن علاقته بالجزائر لم تبدأ مع المنتخب الأول: “منذ فئة الأشبال، اتخذت قراري وأنا في نادي روان كي آتي إلى المنتخب، حتى لو وضعت ناديي ضدي. لقد عوقبت من النادي لأنني ذهبت مع أشبال الجزائر”. بالنسبة إليه، لم يكن خيار فرنسا مطروحاً: “اللعب لفرنسا لم يكن يهمني. بالنسبة إلي، قميص المنتخب لا يمكن أن يكون إلا قميص الجزائر”.
“مع الجزائر لا نغش”
تبلغ شهادة بلباي ذروتها حين يتحدث عن رشيد مخلوفي. يقول إنه تشرف بلقائه وتبادل معه بعض الكلمات، قبل أن يستعيد وزن قراره التاريخي: “كان في منتخب فرنسا، وكان واحداً من أفضل صانعي اللعب في العالم، ومع ذلك ترك كل شيء ليلعب مع الجزائر”. ثم تأتي الجملة الأهم في الحوار كله: “الجزائر ليست أي شيء. مع الجزائر، لا نغش”. من لاعب مثل بلباي، ليست هذه جملة للاستعراض، بل خلاصة مسار.
مهدي مصطفى: الجزائر تملك الموهبة، لكنها تحتاج إلى روح 2014
هذا المسار كلفه الكثير. إصابته الخطيرة مع المنتخب أمام مالي في كأس أمم أفريقيا 2002 تركت أثراً كبيراً على مسيرته الدولية. لكنه لا يقدم نفسه ضحية، ولا يطلب تعويضاً معنوياً. عندما سُئل عن الاعتراف أو التكريم، أجاب بلا تردد: “لم أكن أنتظر أي اعتراف”. ما كان يهمه، كما يقول، أن تخدم معاناته الأجيال التالية. لقد اكتشف اللاعبون في تلك الفترة، بعد تدخل علي بن عربية، أن بعضهم كان يسافر ويلعب من دون تأمين كاف. ومن تلك التجارب، بدأت الأمور تتحرك.
لذلك يذكر بلباي أيضاً حالة سالم حرشاش، الذي لبّى نداء المنتخب وهو من دون ناد، ثم تعرض لإصابة أنهت مسيرته. يقول عن تلك المرحلة: “كنا، بين قوسين، مضحى بنا قليلاً. لكن عندما أرى اليوم كل ما يستفيد منه اللاعبون لممارسة كرة القدم على أعلى مستوى، فأنا سعيد لأنني مررت من هناك ولا أملك مشكلة مع ذلك”. هذه ليست مرارة رجل منسي، بل هدوء شخص مقتنع بأن ما فقده لم يذهب هدراً.
بلومي يقيّم الجزائر قبل المونديال: لا تنظروا إلى ميسي فقط
وعلى الرغم من كل هذا الماضي الثقيل، لا يتحدث بلباي عن المنتخب الحالي بنظرة قاسية. بالعكس، هو متفائل. يقول إن “كل المعطيات والظروف متوفرة اليوم للقيام بكأس عالم جميلة، وتمثيل الجزائر جيداً، ومحاولة الذهاب إلى أبعد نقطة ممكنة”. ثم يضيف عبارة لافتة: “اليوم يتحدثون عن الجزائر في كل مكان. يتحدثون عنها جيداً، أو يتحدثون عنها بسوء لأن نجاح الجزائر يؤلم البعض”. بالنسبة إليه، هذا الجيل يملك كل شيء كي يلعب من دون ضغط، بل ويرى أن الجزائر “ستقوم بأشياء كبيرة”.
حتى قراءته للفوز على هولندا جاءت بهذا الهدوء. رأى منتخباً صمد في الشوط الأول، ودافع جيداً، ولم “ينحنِ” رغم الضغط. أثنى على لوكا زيدان، الذي رد على كل من شكك في وجوده، وأبدى إعجابه بأنيس حاج موسى، قائلاً إنه “يتنفس كرة القدم”، وإنه مع إبراهيم مازة سيكونان من قادة المستقبل. لكن خلف كل هذه الأسماء، تبقى رسالته واحدة قبل مواجهة الأرجنتين وبقية كبار العالم: العبوا بعقولكم، قاتلوا بقلبكم، وتذكروا أن من ارتدى هذا القميص قبلكم لم يكن يبحث عن الراحة. كان يبحث عن الجزائر.





