يا لها من مباراة! وسط سيناريو مثير حبس الأنفاس حتى اللحظات الأخيرة، خطف منتخب الجزائر بطاقة العبور إلى دور الـ32 من كأس العالم، بعد تعادل مثير أمام النمسا بنتيجة 3-3. ورغم التأخر في النتيجة أكثر من مرة، أظهر “الخضر” شخصية قوية وروحاً تنافسية عالية، تؤكد أن الفريق بدأ فعلاً في رفع إيقاعه داخل البطولة.
ومن أجل تفكيك هذه المباراة وقراءة خيارات فلاديمير بيتكوفيتش الفنية، استنجد AfricaFoot بخبرة المدرب الجزائري رضا بندريس. مدرب وفاق سطيف السابق، والحالي لنادي الأخضر الليبي، الذي يستعد لمغادرته هذا الصيف لخوض تجربة جديدة في ليبيا، قدم قراءة دقيقة وحصرية، ركز فيها على الجانب الذهني، مرونة الخطة، جودة الاستحواذ، وأيضاً أبرز الأسماء التي خرجت رابحة أو خاسرة من هذا الموعد الكبير.
شخصية قوية ورد فعل ذهني لافت
بالنسبة إلى رضا بندريس، فإن التعادل أمام منتخب نمساوي منظم وصلب لا يُقرأ فقط من زاوية النتيجة، بل من زاوية النضج الذهني الذي أظهره المنتخب الجزائري. فالعودة مرتين في مباراة بهذا الضغط، وبعد بداية صعبة في البطولة أمام الأرجنتين، تعني أن المجموعة بدأت تتخلص من عقدة الخوف وتدخل في صلب المنافسة بثقة أكبر.
«أعجبتني المباراة كثيراً. المنتخب قدم وجهاً جيداً جداً. أن تعود في النتيجة مرتين، فهذا يعكس قوة ذهنية كبيرة. اللاعبون واجهوا النمسا بشخصية واضحة، ولم يتأثروا بالأهداف التي تلقوها ولا بتقلبات المباراة. صحيح أن هناك أخطاء، لكن الأهم هو امتلاك القدرة على تصحيحها والعودة من جديد. هذه خبرة اكتسبناها خلال الدور الأول، وهي نقطة إيجابية لما هو قادم».
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل ظهر تدريجياً من مباراة إلى أخرى، وهو ما جعل بندريس يرى أن المنتخب يسير في منحنى تصاعدي واضح.
«من مباراة إلى أخرى، أرى تطوراً كبيراً. آمالنا في هذا المنتخب تكبر تدريجياً. الآن سنواجه سويسرا في دور الـ32، وأعتقد أن الحظوظ متكافئة. لدينا الإمكانات التي تسمح لنا بالمرور».
الدرس التكتيكي: مرونة واضحة وسلسلة تاريخية من 109 تمريرات
بعيداً عن الجانب الذهني، توقف رضا بندريس عند العمل الذي قام به الطاقم الفني بعد الصدمة الأولى أمام الأرجنتين. فالصورة التي ظهر بها المنتخب أمام النمسا، خاصة في فترات التحكم بالكرة، تؤكد أن بيتكوفيتش أعاد ترتيب أوراقه واختار أدوات أكثر قدرة على صناعة اللعب وربط الخطوط.
«باستثناء مباراة الأرجنتين، حيث كان التوجه العام مخيباً، نجح الطاقم الفني في تصحيح المسار. تكتيكياً، الأمور كانت أفضل بكثير. بيتكوفيتش اختار أسماء أنسب، خاصة في وسط الميدان بوجود بن طالب، شايبي ومازة. هؤلاء لاعبون يملكون جودة فنية عالية. في الوسط نحتاج إلى هذه القدرة التقنية من أجل الربط بين الدفاع والهجوم».
الجزائر والمغرب ومصر يرفعون راية شمال إفريقيا
أكثر ما لفت بندريس في هذه المواجهة هو قدرة المنتخب الجزائري على تغيير جلده أثناء المباراة، بعدما بدأ اللقاء بخطة 4-2-3-1، قبل أن يتحول تدريجياً إلى 3-4-3 أكثر سلاسة وفعالية.
«هناك مرونة تكتيكية يجب التوقف عندها. أمام النمسا بدأنا بـ4-2-3-1 وأنهينا المباراة بـ3-4-3. هذا التحول ساعدنا على التحكم في اللقاء خلال الدقائق الأخيرة. والهدف الثالث، هدف محرز، جاء بعد سلسلة من 109 تمريرات متتالية! الرقم القياسي العالمي في مباراة رسمية كان 35 تمريرة، ونحن ضاعفناه ثلاث مرات تقريباً. هذا يعكس سيطرة كاملة على الكرة، وعلى إيقاع المباراة. بنينا اللعب بهدوء، دون تسرع، إلى أن وجدنا الثغرة أمام منتخب نمساوي تراجع وخاف من المجازفة».
هذه الفلسفة في التحكم بالكرة لم تكن مجرد انطباع بصري، بل دعمتها أرقام قوية خلال الدور الأول من كأس العالم.
«وصلنا إلى استحواذ كبير مع أكثر من 600 تمريرة. لا أحد فعل أفضل من ذلك خلال الدور الأول من المونديال، باستثناء إسبانيا. هذا يمنح اللاعبين ثقة كبيرة، ويجعل تأهلنا إلى الدور المقبل مستحقاً تماماً».
الأفضل والأسوأ في قراءة رضا بندريس
بعد هذه المباراة المجنونة، وافق المدرب الجزائري على تقديم قراءته الفردية لبعض الأسماء، بين لاعبين أكدوا قيمتهم، وآخرين أثارت وضعيتهم علامات استفهام قبل دخول مرحلة خروج المغلوب.
محرز منقذا وبلغالي مشتعلاً: تقييم لاعبي الجزائر بعد التعادل المجنون أمام النمسا
الأفضل: خبرة لا تموت وأطراف تصنع الفارق
- رياض محرز.. الحاسم الأبدي: «محرز يبقى محرز. رغم عامل السن، ورغم أنه ليس في أفضل جاهزية بدنية، إلا أنه يحتفظ بلمسته الفنية الخاصة، وبقدرته على صنع الفارق في أي لحظة. أمام النمسا كان حاسماً بثلاث طرق: سجل ثنائية، وكان حاضراً أيضاً في لقطة الهدف الأول. نأمل أن يواصل على هذا الإيقاع في مباريات خروج المغلوب».
- ثنائي الجهتين بلقالي وآيت نوري.. الخطر يأتي من الأطراف: «أعجبت كثيراً بما قدماه. رفيق بلقالي كان ممتازاً أمام النمسا، وقدم إضافة هجومية واضحة. ومن الجهة الأخرى، دخل ريان آيت نوري بقوة ونجح في زعزعة الدفاع النمساوي أكثر من مرة. في منظومة تعتمد على الظهيرين المتقدمين، هذا الثنائي يمكن أن يكون سلاحاً خطيراً جداً».
- الجودة الفنية في الوسط.. بن طالب، شايبي ومازة: «هذه واحدة من أكبر مكاسب الدور الأول. اجتماع هذه الأسماء يمنح المنتخب سلاسة في البناء وتحكماً في الإيقاع، وهو ما كان ينقصنا. بفضل هذه الجودة في وسط الميدان، تمكنا من فرض السيطرة وحرمان النمسا من الكرة في لحظات مهمة».
الأسوأ: ارتباك في حراسة المرمى وهشاشة دفاعية جماعية
- إدارة ملف حراسة المرمى بين زيدان وبن بوط: «هذا من النقاط السلبية في مشوارنا حتى الآن. تغيير الحارس في قلب بطولة كبرى خيار محفوف بالمخاطر، خاصة على مستوى الثقة الجماعية. مركز الحارس حساس جداً، وقد يمثل أحياناً 70 أو 80% من نتيجة المباراة. يبدو أن المدرب يفكر كثيراً في هذا المركز ولا يعرف من يعتمد عليه بشكل نهائي، وهذا لا يخدمنا».
- لوكا زيدان.. موهبة تأثرت بضغط الانتقادات: «لوكا زيدان تأثر ذهنياً بمردوده السابق وبالانتقادات التي طالته. أعتقد أن الطاقم الفني أخذ هذا العامل النفسي في الاعتبار عندما وضعه على مقاعد البدلاء. هذا أمر مؤسف، لأنه حارس جيد جداً، ومميز في اللعب بالقدم. معه نملك لاعباً إضافياً تقريباً في عملية الخروج بالكرة من الخلف. يجب مواصلة دعمه وعدم تكليفه أكثر من اللازم».
- الهشاشة الدفاعية الجماعية.. أكثر من هدفين في المباراة: «نستقبل في المتوسط أكثر من هدفين في المباراة خلال هذه البطولة، وهذا أمر يجب معالجته بسرعة. الكتلة الدفاعية تجد أحياناً صعوبة في التعامل مع التحولات الهجومية للمنافسين، خاصة عندما نلعب بأربعة مدافعين. هناك حدود بدنية وتكتيكية يجب تصحيحها قبل دخول الأدوار الإقصائية».
نحو دور الـ32: «خطة 3-4-3 هي الأنسب لهذا المنتخب»
بالنظر إلى ما ينتظر الجزائر في الدور المقبل، خاصة أمام سويسرا، يملك رضا بندريس تصوراً واضحاً للخطة التي يجب أن يعتمدها المنتخب من أجل تحقيق التوازن بين الصلابة الدفاعية والقوة الهجومية.
«بالنسبة إلي، 3-4-3 هي الخطة التي تناسبنا أكثر. رأينا ذلك في المباريات الودية وخلال كأس إفريقيا: عندما نلعب بهذا النظام، نملك استحواذاً أفضل ونخلق فرصاً أكثر. صحيح أننا نعتمد على عدد أقل قليلاً من المهاجمين الصرحاء، لكننا نكسب تحكماً أكبر وصلابة دفاعية أفضل. هذه الخطة تناسب خصائص لاعبينا بشكل مثالي».
وختم المدرب الجزائري قراءته بنبرة تفاؤل، مع تذكير واضح بالمسافة التي قطعها المنتخب منذ خسارة الأرجنتين في بداية المشوار.
«عندما يلعب منتخبنا دون عقدة، يقدم مباريات كبيرة. أمام الأرجنتين كنا خائفين، ولم نسدد حتى كرة مؤطرة، لأننا احترمنا المنافس أكثر من اللازم، ولم يكن التحضير الذهني في المستوى المطلوب. في المباراتين الأخيرتين، تحرر اللاعبون. ذهنياً، عندما نؤمن بإمكاناتنا، نلعب حظوظنا كاملة. بالوصول إلى الدور الثاني، حققنا 70 إلى 80% من أهدافنا. أما عبور دور إضافي، فسيكون إنجازاً كبيراً جداً».





